فهرس الكتاب

الصفحة 748 من 2003

الذين يؤثرون دعوتهم على الراحة والمتاع , وأعراض الحياة الدنيا . بل على الحياة نفسها حين تقتضيهم دعوتهم أن يستشهدوا في سبيلها . ولا يثبت على الكفاح المرير إلا أصلبهم عودا , وأشدهم إيمانا , وأكثرهم تطلعا إلى ما عند الله واستهانة بما عند الناس . .

عندئذ تتميز دعوة الحق من دعاوى الباطل . وعندئذ تمحص الصفوف فيتميز الأقوياء من الضعفاء . وعندئذ تمضي دعوة الحق في طريقها برجالها الذين ثبتوا عليها , واجتازوا امتحانها وبلاءها . أولئك هم الأمناء عليها الذين يحتملون تكاليف النصر وتبعاته . وقد نالوا هذا النصر بثمنه الغالي , وأدوا ضريبته صادقين مؤثرين .

وقد علمتهم التجارب والابتلاءات كيف يسيرون بدعوتهم بين الأشواك والصخور . وقد حفزت الشدائد والمخاوف كل طاقاتهم ومقدراتهم , فنما رصيدهم من القوة وذخيرتهم من المعرفة . فيكون هذا كله رصيدا للدعوة التي يحملون رايتها على السراء والضراء .

والذي يقع غالبا أن كثرة الناس تقف متفرجة على الصراع بين المجرمين وأصحاب الدعوات ; حتى إذا تضخم رصيد التضحيات والآلام في صف أصحاب الدعوات , وهم ثابتون على دعوتهم , ماضون في طريقهم , قالت الكثرة المتفرجة أو شعرت أنه لا يمسك أصحاب الدعوة على دعوتهم على الرغم من التضحيات والآلام , إلا أن في هذه الدعوة ما هو أغلى مما يضحون به وأثمن . .

وعندئذ تتقدم الكثرة المتفرجة لترى ما هو هذا العنصر الغالي الثمين الذي يرجح كل أعراض الحياة , ويرجح الحياة ذاتها عند أصحاب الدعوة . وعندئذ يدخل المتفرجون أفواجا في هذه العقيدة بعد طول التفرج بالصراع !

من أجل هذا كله جعل الله لكل نبي عدوا من المجرمين ; وجعل المجرمين يقفون في وجه دعوة الحق , وحملة الدعوة يكافحون المجرمين , فيصيبهم ما يصيبهم وهم ماضون في الطريق , والنهاية مقدرة من قبل , ومعروفة لا يخطئها الواثقون بالله . إنها الهداية إلى الحق , والانتهاء إلى النصر: (وكفى بربك هاديا ونصيرا) .

وبروز المجرمين في طريق الأنبياء أمر طبيعي . فدعوة الحق إنما تجيء في أوانها لعلاج فساد واقع في الجماعة أو في البشرية . فساد في القلوب , وفساد في النظم , وفساد في الأوضاع . ووراء هذا الفساد يكمن المجرمون , الذين ينشئون الفساد من ناحية , ويستغلونه من ناحية . والذين تتفق مشاربهم مع هذا الفساد , وتتنفس شهواتهم في جوه الوبيء . والذين يجدون فيه سندا للقيم الزائفة التي يستندون هم في وجودهم إليها . .

فطبيعي إذن أن يبرزوا للأنبياء وللدعوات دفاعا عن وجودهم , واستبقاء للجو الذي يملكون أن يتنفسوا فيه . وبعض الحشرات يختنق برائحة الأزهار العبقة , ولا يستطيع الحياة إلا في المقاذر ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت