وهم لا يريدون أن يقفوا عند هذا الحد . فالذي يكفر لا يستريح لوجود الإيمان في الأرض ووجود المؤمنين . ولا بد له من عمل وسعي , ولا بد له من جهد وكيد لرد المسلمين إلى الكفر . ليكونوا كلهم سواء .
هذا هو الإيضاح الأول لحقيقة موقف أولئك المنافقين . . وهو يحمل البيان الذي يرفع التميع في تصور الإيمان ; ويقيمه على أساس واضح من القول والعمل متطابقين . وإلا فلا عبرة بكلمات اللسان , وحولها هذه القرائن التي تشهد بالكذب والنفاق:
والقرآن يلمس مشاعر المؤمنين لمسة قوية مفزعة لهم , وهو يقول لهم: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) . .
فقد كانوا حديثي عهد بتذوق حلاوة الإيمان بعد مرارة الكفر . وبالنقلة الضخمة التي يجدونها في أنفسهم , بين مشاعرهم ومستواهم ومجتمعهم في الجاهلية . .
ثم في الإسلام . وكان الفرق واضحا بارزا في مشاعرهم وفي واقعهم , تكفي الإشارة إليه لاستثارة عداوتهم كلها لمن يريد أن يردهم إلى ذلك السفح الهابط - سفح الجاهلية - الذي التقطهم منه الإسلام ; فسار بهم صعدا في المرتقى الصاعد , نحو القمة السامقة .
ومن ثم يتكى ء المنهج القرآني على هذه الحقيقة ; فيوجه إليهم الأمر في لحظة التوفز والتحفز والانتباه للخطر البشع الفظيع الذي يتهددهم من قبل هؤلاء: فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله . فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم , ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرًا . .
ونحس من النهي عن اتخاذ أولياء منهم . . أنه كانت ما تزال للروابط والوشائج العائلية والقبلية بقايا في نفوس المسلمين في المدينة - وربما كان للمصالح الاقتصادية أيضا - وكان المنهج القرآني يعالج هذه الرواسب ; ويقرر للأمة المسلمة قواعد ارتباطاتها . كما يقرر قواعد تصورها في الوقت ذاته .
كان يعلمها أن الأمة لا تقوم على روابط العشيرة والقبيلة , أو روابط الدم والقرابة . أو روابط الحياة في أرض واحدة أو مدينة واحدة , أو روابط المصالح الاقتصادية في التجارة وغير التجارة . . إنما تقوم الأمة على العقيدة ; وعلى النظام الاجتماعي المنبثق من هذه العقيدة .
ومن ثم فلا ولاية بين المسلمين في دار الإسلام , وبين غيرهم ممن هم في دار الحرب . . ودار الحرب هي يومئذ مكة موطن المهاجرين الأول . .
لا ولاية حتى يهاجر أولئك الذين يتكلمون بكلمة الإسلام ; وينضموا إلى المجتمع المسلم - أي إلى الأمة المسلمة - حيث تكون هجرتهم لله وفي سبيل الله . من أجل عقيدتهم , لا من أجل أي هدف آخر ; ولإقامة المجتمع المسلم الذي يعيش بالمنهج الإسلامي لا لأي غرض آخر . . بهذه النصاعة . وبهذا الحسم . وبهذا التحديد الذي لا يقبل أن تختلط به شوائب أخرى , أو مصالح أخرى , أو أهداف أخرى . .