فهرس الكتاب

الصفحة 768 من 2003

فلا تعرض لهم فرصة يتمكنون فيها من المسلمين حتى يتصرفوا معهم تصرف العدو الأصيل . ويوقعوا بهم ما يملكون من أذى ومن تنكيل بالأيدي وبالألسنة وبكل وسيلة وكل سبيل .

والأدهى من هذا كله والأشد والأنكى: (وودوا لو تكفرون) . .

وهذه عند المؤمن أشد من كل أذى ومن كل سوء يصيبه باليد أو اللسان . فالذي يود له أن يخسر هذا الكنز العزيز . كنز الإيمان . ويرتد إلى الكفر , هو أعدى من كل عدو يؤذيه باليد وباللسان !

والذي يذوق حلاوة الإيمان بعد الكفر , ويهتدي بنوره بعد الضلال , ويعيش عيشة المؤمن بتصوراته ومداركه ومشاعره واستقامة طريقه وطمأنينة قلبه يكره العودة إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار . أو أشد . فعدو الله هو الذي يود أن يرجعه إلى جحيم الكفر وقد خرج منه إلى جنة الإيمان , وإلى فراغ الكفر الخاوي بعد عالم الإيمان المعمور .

لهذا يتدرج القرآن في تهييج قلوب المؤمنين ضد أعدائه وأعدائهم حتى يصل إلى قمته بقوله لهم عنهم: (وودوا لو تكفرون) . .

وقال تعالى: * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ* (100) سورة آل عمران

لقد جاءت هذه الأمة المسلمة لتنشئ في الأرض طريقها على منهج الله وحده , متميزة متفردة ظاهرة . لقد انبثق وجودها ابتداء من منهج الله ; لتؤدي في حياة البشر دورا خاصا لا ينهض به سواها . لقد وجدت لإقرار منهج الله في الأرض , وتحقيقه في صورة عملية , ذات معالم منظورة , تترجم فيها النصوص إلى حركات وأعمال , ومشاعر وأخلاق , وأوضاع وارتباطات .

وهي لا تحقق غاية وجودها , ولا تستقيم على طريقها , ولا تنشىء في الأرض هذه الصورة الوضيئة الفريدة من الحياة الواقعية الخاصة المتميزة , إلا إذا تلقت من الله وحده , وإلا إذا تولت قيادة البشرية بما تتلقاه من الله وحده . قيادة البشرية . .

لا التلقي من أحد من البشر , ولا اتباع أحد من البشر , ولا طاعة أحد من البشر . .

إما هذا وإما الكفر والضلال والانحراف . .

هذا ما يؤكده القرآن ويكرره في شتى المناسبات . وهذا ما يقيم عليه مشاعر الجماعة المسلمة وأفكارها وأخلاقها كلما سنحت الفرصة . .

وهنا موضع من هذه المواضع , مناسبته هي المناظرة مع أهل الكتاب , ومواجهة كيدهم وتآمرهم على الجماعة المسلمة في المدينة . .

ولكنه ليس محدودا بحدود هذه المناسبة , فهو التوجيه الدائم لهذه الأمة , في كل جيل من أجيالها . لأنه هو قاعدة حياتها , بل قاعدة وجودها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت