فهرس الكتاب

الصفحة 777 من 2003

قال تعالى عنهم: وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ ( 99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ( 100) وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ( 101) سورة البقرة

لقد كشف القرآن هنا عن علة كفر بني إسرائيل بتلك الآيات البينات التي أنزلها الله . . إنه الفسوق وانحراف الفطرة . فالطبيعة المستقيمة لا يسعها إلا الإيمان بتلك الآيات . وهي تفرض نفسها فرضا على القلب المستقيم . فإذا كفر بها اليهود - أو غيرهم - فليس هذا لأنه لا مقنع فيها ولا حجة , ولكن لأنهم هم فاسدو الفطرة فاسقون .

ثم يلتفت إلى المسلمين - وإلى الناس عامة - منددا بهؤلاء اليهود , كاشفا عن سمة من سماتهم الوبيئة .

إنهم جماعة مفككة الأهواء - رغم تعصبها الذميم - فهم لا يجتمعون على رأي , ولا يثبتون على عهد , ولا يستمسكون بعروة . ومع أنهم متعصبون لأنفسهم وجنسهم , يكرهون أن يمنح الله شيئا من فضله لسواهم , إلا أنهم - مع هذا - لا يستمسكون بوحدة , ولا يحفظ بعضهم عهد بعض , وما من عهد يقطعونه على أنفسهم حتى تند منهم فرقة فتنقض ما أبرموا , وتخرج على ما أجمعوا:

(أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم ? بل أكثرهم لا يؤمنون) . .

وقد أخلفوا ميثاقهم مع الله تحت الجبل , ونبذوا عهودهم مع أنبيائهم من بعد , وأخيرا نبذ فريق منهم عهدهم الذي أبرموه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أول مقدمه إلى المدينة ; وهو العهد الذي وادعهم فيه بشروط معينة , بينما كانوا هم أول من أعان عليه أعداءه ; وأول من عاب دينة , وحاول بث الفرقة والفتنة في الصف المسلم , مخالفين ما عاهدوا المسلمين عليه . . وبئس هي من خلة في اليهود ! تقابلها في المسلمين خلة أخرى على النقيض , يعلنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله"المسلمون تتكافأ دماؤهم , وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم". .

يسعى بذمتهم أدناهم , فلا يخيس أحد بعهده إذا عاهد , ولا ينقض أحد عقده إذا أبرم , ولقد كتب أبو عبيدة - رضي الله عنه - وهو قائد لجيش عمر - رضي الله عنه - وهو الخليفة يقول:إن عبدا أمن أهل بلد بالعراق . وسأله رأيه . فكتب إليه عمر:إن الله عظم الوفاء , فلا تكونون أوفياء حتى تفوا . .

فوفوا لهم وانصرفوا عنهم . . وهذه سمة الجماعة الكريمة المتماسكة المستقيمة . وذلك فرق ما بين أخلاق اليهود الفاسقين وأخلاق المسلمين الصادقين .

(ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم , نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت