فهرس الكتاب

الصفحة 778 من 2003

وكان هذا مظهرا من مظاهر نقض فريق لكل عهد يعاهدونه . فلقد كان ضمن الميثاق الذي أخذه الله عليهم , أن يؤمنوا بكل رسول يبعثه , وأن ينصروه ويحترموه . فلما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم , خاسوا بذلك العهد , ونبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم , يستوي في هذا النبذ كتاب الله الذي معهم , والذي يتضمن البشرى بهذا النبي وقد نبذوه , والكتاب الجديد مع النبي الجديد وقد نبذوه أيضا !

وفي الآية ما فيها من سخرية خفية , يحملها ذلك النص على أن الذين أوتوا الكتاب هم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم . فلو كانوا هم المشركين الأميين لكان نبذهم لكتاب الله وراء ظهورهم مفهوما !

ولكنهم هم الذين أوتوا الكتاب . هم الذين عرفوا الرسالات والرسل . هم الذين اتصلوا بالهدى ورأوا النور . .

وماذا صنعوا ?

إنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم !

والمقصود طبعا أنهم جحدوه وتركوا العمل به , وأنهم أبعدوه عن مجال تفكيرهم وحياتهم . ولكن التعبير المصور ينقل المعنى من دائرة الذهن إلى دائرة الحس ; ويمثل عملهم بحركة مادية متخيلة , تصور هذا التصرف تصويرا بشعا زريا , ينضح بالكنود والجحود , ويتسم بالغلظة والحماقة , ويفيض بسوء الأدب والقحة ; ويدع الخيال يتملى هذه الحركة العنيفة . حركة الأيدي تنبذ كتاب الله وراء الظهور

وقال تعالى:* وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* (75) سورة آل عمران

ولكن منهم كذلك الخونة الطامعين المماطلين , الذين لا يردون حقا - وإن صغر - إلا بالمطالبة والإلحاح والملازمة . ثم هم يفلسفون هذا الخلق الذميم , بالكذب على الله عن علم وقصد:

(ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما . ذلك بأنهم قالوا:ليس علينا في الأميين سبيل . ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) . .

وهذه بالذات صفة يهود . فهم الذين يقولون هذا القول ; ويجعلون للأخلاق مقاييس متعددة . فالأمانة بين اليهودي واليهودي . أما غير اليهود ويسمونهم الأميين وكانوا يعنون بهم العرب [ وهم في الحقيقة يعنون كل من سوى اليهود ] فلا حرج على اليهودي في أكل أموالهم , وغشهم وخداعهم , والتدليس عليهم , واستغلالهم بلا تحرج من وسيلة خسيسة ولا فعل ذميم !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت