فهرس الكتاب

الصفحة 779 من 2003

ومن العجب أن يزعموا أن إلههم ودينهم يأمرهم بهذا . وهم يعلمون أن هذا كذب . وأن الله لا يأمر بالفحشاء . ولا يبيح لجماعة من الناس أن يأكلوا أموال جماعة من الناس سحتا وبهتانا , وألا يرعوا معهم عهدا ولا ذمة , وأن ينالوا منهم بلا تحرج ولا تذمم . ولكنها يهود ! يهود التي اتخذت من عداوة البشرية والحقد عليها ديدنا ودينا: (ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) . .

هنا نجد القرآن الكريم يقرر قاعدته الخلقية الواحدة , وميزانه الخلقي الواحد . ويربط نظرته هذه بالله وتقواه: (بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين . إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا , أولئك لا خلاق لهم في الآخرة , ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة , ولا يزكيهم . ولهم عذاب أليم) . .

فهي قاعدة واحدة من راعاها وفاء بعهد الله وشعورا بتقواه أحبه الله وأكرمه . ومن اشترى بعهد الله وبأيمانه ثمنا قليلا - من عرض هذه الحياة الدنيا أو بالدنيا كلها وهي متاع قليل - فلا نصيب له في الآخرة . ولا رعاية له عند الله ولا قبول , ولا زكاة له ولا طهارة . وإنما هو العذاب الأليم .

ونلمح هنا أن الوفاء بالعهد مرتبط بالتقوى . ومن ثم لا يتغير في التعامل مع عدو أو صديق . فليس هو مسألة مصلحة . إنما هو مسألة تعامل مع الله أبدا . دونما نظر إلى من يتعامل معهم .

وهذه هي نظرية الإسلام الأخلاقية بصفة عامة . في الوفاء بالعهد وفي سواه من الأخلاق:التعامل هو أولا تعامل مع الله , يلحظ فيه جناب الله , ويتجنب به سخطه ويطلب به رضاه . فالباعث الأخلاقي ليس هو المصلحة ; وليس هو عرف الجماعة , ولا مقتضيات ظروفها القائمة . فإن الجماعة قد تضل وتنحرف , وتروج فيها المقاييس الباطلة . فلا بد من مقياس ثابت ترجع إليه الجماعة كما يرجع إليه الفرد على السواء . ولا بد أن يكون لهذا المقياس فوق ثباته قوة يستمدها من جهة أعلى . .

أعلى من اصطلاح الناس ومن مقتضيات حياتهم المتغيرة . .

ومن ثم ينبغي أن تستمد القيم والمقاييس من الله ; بمعرفة ما يرضيه من الأخلاق والتطلع إلى رضاه والشعور بتقواه . .

بهذا يضمن الإسلام تطلع البشرية الدائم إلى أفق أعلى من الأرض ; واستمدادها القيم والموازين من ذلك الأفق الثابت السامق الوضيء .

ومن ثم يجعل الذين يخيسون بالعهد ويغدرون بالأمانة . .

(يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا) . . فالعلاقة في هذا بينهم وبين الله قبل أن تكون بينهم وبين الناس . . ومن هنا فلا نصيب لهم في الآخرة عنده , أن كانوا يبغون بالغدر والنكث بالعهد ثمنا قليلا هو هذه المصالح الدنيوية الزهيدة !

ولا رعاية لهم من الله في الآخرة جزاء استهانتهم بعهده - وهو عهدهم مع الناس - في الدنيا .

ــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت