ولما كانت الخطة التي اتبعها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بتوجيه ربه في مسألة المنافقين , هي الإغضاء والإعراض , وتحذير المؤمنين وتبصيرهم بأمرهم ; في الطريق إلى تصفية هذا المعسكر اللعين !
فإنه يكلهم هنا إلى حكم الله في الآخرة ; حيث يكشف الستار عنهم , وينالهم جزاء ما يكيدون للمسلمين: (فالله يحكم بينكم يوم القيامة) . .
حيث لا مجال للكيد والتآمر والتبييت ; ولا مجال لإخفاء مكنونات الصدور .
ويطمئن الذين آمنوا بوعد من الله قاطع ; أن هذا الكيد الخفي الماكر , وهذا التآمر مع الكافرين , لن يغير ميزان الأمور ; ولن يجعل الغلبة والقهر للكافرين على المؤمنين: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا . .
وفي تفسير هذه الآية وردت رواية أن المقصود بهذا النص يوم القيامة . حيث يحكم الله بين المؤمنين والمنافقين فلا يكون هناك للكافرين على المؤمنين سبيل .
كما وردت رواية أخرى بأن المقصود هو الأمر في الدنيا بأن لا يسلط الله الكافرين على المسلمين تسليط استئصال . وإن غلب المسلمون في بعض المعارك وفي بعض الأحايين .
وإطلاق النص في الدنيا والآخرة أقرب , لأنه ليس فيه تحديد .
والأمر بالنسبة للآخرة لا يحتاج إلى بيان أو توكيد . .
أما بالنسبة للدنيا , فإن الظواهر أحيانا قد توحي بغير هذا . ولكنها ظواهر خادعة تحتاج إلى تمعن وتدقيق:
إنه وعد من الله قاطع . وحكم من الله جامع:أنه متى استقرت حقيقة الإيمان في نفوس المؤمنين ; وتمثلت في واقع حياتهم منهجا للحياة , ونظاما للحكم , وتجردا لله في كل خاطرة وحركة , وعبادة لله في الصغيرة والكبيرة . .
فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا . .
وهذه حقيقة لا يحفظ التاريخ الإسلامي كله واقعة واحدة تخالفها !
وأنا أقرر في ثقة بوعد الله لا يخالجها شك , أن الهزيمة لا تلحق بالمؤمنين , ولم تلحق بهم في تاريخهم كله , إلا وهناك ثغرة في حقيقة الإيمان . إما في الشعور وإما في العمل - ومن الإيمان أخذ العدة وإعداد القوة في كل حين بنية الجهاد في سبيل الله وتحت هذه الراية وحدها مجردة من كل إضافة ومن كل شائبة - وبقدر هذه الثغرة تكون الهزيمة الوقتية ; ثم يعود النصر للمؤمنين - حين يوجدون !
ففي"أحد"مثلا كانت الثغرة في ترك طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفي الطمع في الغنيمة . وفي"حنين"كانت الثغرة في الاعتزاز بالكثرة والإعجاب بها ونسيان السند الأصيل ! ولو ذهبنا نتتبع كل مرة تخلف فيها النصر عن المسلمين في تاريخهم لوجدنا شيئا من هذا . . نعرفه أو لا نعرفه . .
أما وعد الله فهو حق في كل حين . نعم . إن المحنة قد تكون للابتلاء . .