ولكن الابتلاء إنما يجيء لحكمة , هي استكمال حقيقة الإيمان , ومقتضياته من الأعمال - كما وقع في أحد وقصه الله على المسلمين - فمتى اكتملت تلك الحقيقة بالابتلاء والنجاح فيه ,جاء النصر وتحقق وعد الله عن يقين .
على أنني إنما أعني بالهزيمة معنى أشمل من نتيجة معركة من المعارك . .
إنما أعني بالهزيمة هزيمة الروح , وكلال العزيمة . فالهزيمة في معركة لا تكون هزيمة إلا إذا تركت آثارها في النفوس همودا وكلالا وقنوطا . فأما إذا بعثت الهمة , وأذكت الشعلة , وبصرت بالمزالق , وكشفت عن طبيعة العقيدة وطبيعة المعركة وطبيعة الطريق . .
فهي المقدمة الأكيدة للنصر الأكيد . ولو طال الطريق !
كذلك حين يقرر النص القرآني: أن الله لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا . .
فإنما يشير إلى أن الروح المؤمنة هي التي تنتصر ; والفكرة المؤمنة هي التي تسود . وإنما يدعو الجماعة المسلمة إلى استكمال حقيقة الإيمان في قلوبها تصورا وشعورا ; وفي حياتها واقعا وعملا وألا يكون اعتمادها كله على عنوانها . فالنصر ليس للعنوانات . إنما هو للحقيقة التي وراءها . .
وليس بيننا وبين النصر في أي زمان وفي أي مكان , إلا أن نستكمل حقيقة الإيمان . ونستكمل مقتضيات هذه الحقيقة في حياتنا وواقعنا كذلك . .
ومن حقيقة الإيمان أن نأخذ العدة ونستكمل القوة . ومن حقيقة الإيمان ألا نركن إلى الأعداء ; وألا نطلب العزة إلا من الله .
ووعد الله هذا الأكيد , يتفق تماما مع حقيقة الأيمان وحقيقة الكفر في هذا الكون . .
إن الإيمان صلة بالقوة الكبرى , التي لاتضعف ولا تفنى . .
وإن الكفر انقطاع عن تلك القوة وانعزال عنها . .
ولن تملك قوة محدودة مقطوعة منعزلة فانية , أن تغلب قوة موصولة بمصدر القوة في هذا الكون جميعا
غير أنه يجب أن نفرق دائما بين حقيقة الإيمان ومظهر الإيمان . .
إن حقيقة الإيمان قوة حقيقية ثابته ثبوت النواميس الكونية . ذات أثر في النفس وفيما يصدر عنها من الحركة والعمل . وهي حقيقة ضخمة هائلة كفيلة حين تواجه حقيقة الكفر المنعزلة المبتوتة المحدودة أن تقهرها . .
ولكن حين يتحول الإيمان إلى مظهر فإن"حقيقة"الكفر تغلبه , إذا هي صدقت مع طبيعتها وعملت في مجالها . .
لأن حقيقة أي شيء أقوى من"مظهر"أي شيء . ولو كانت هي حقيقة الكفر وكان هو مظهر الإيمان !