بِظُهُورِ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ ، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: الم غُلِبَتِ الرُّومُ إِلَى قَوْلِهِ: وَعْدَ اللَّهِ ، لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ" [1] "
وقبل أن نتجاوز الحادث إلى ما وراءه في السورة من التوجيهات نحب أن نقف أمام بعض إيحاءاته القوية .
وأول هذه الإيحاءات ذلك الترابط بين الشرك والكفر في كل مكان وزمان أمام دعوة التوحيد والإيمان . ومع أن الدول قديما لم تكن شديدة الاتصال , والأمم لم تكن وثيقة الاربتاط كما هو الشأن في عصرنا الحاضر . مع هذا فإن المشركين في مكة كانوا يحسون أن انتصار المشركين في أي مكان على أهل الكتاب هو انتصار لهم ; وكان المسلمون كذلك يحسون أن هناك ما يربطهم بأهل الكتاب , وكان يسوءهم أن ينتصر المشركون في أي مكان ; وكانوا يدركون أن دعوتهم وأن قضيتهم ليست في عزلة عما يجري في أنحاء العالم من حولهم , ويؤثر في قضية الكفر والإيمان . وهذه الحقيقة البارزة هي التي يغفل عنها الكثيرون من أهل زماننا ; ولا ينتبهون إليها كما انتبه المسلمون والمشركون في عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . منذ حوالي أربعة عشر قرنا . ومن ثم ينحصرون داخل حدود جغرافية أو جنسية ; ولا يدركون أن القضية في حقيقتها هي قضية الكفر والإيمان ; وأن المعركة في صميمها هي المعركة بين حزب الله وحزب الشيطان .
وما أحوج المسلمين اليوم في جميع بقاع الأرض أن يدركوا طبيعة المعركة , وحقيقة القضية ; فلا تلهيهم عنها تلك الأعلام الزائفة التي تتستر بها أحزاب الشرك والكفر , فإنهم لا يحاربون المسلمين إلا على العقيدة , مهما تنوعت العلل والأسباب .
والإيحاء الآخر هو تلك الثقة المطلقة في وعد الله , كما تبدو في قولة أبي بكر - رضي الله عنه - في غير تلعثم ولا تردد , والمشركون يعجبونه من قول صاحبه ; فما يزيد على أن يقول:صدق . ويراهنونه فيراهن وهو واثق . ثم يتحقق وعد الله , في الأجل الذي حدده: (في بضع سنين) . . وهذه الثقة المطلقة على هذا النحو الرائع هي التي ملأت قلوب المسلمين قوة ويقينا وثباتا في وجه العقبات والآلام والمحن , حتى تمت كلمة الله وحق وعد الله . وهي عدة كل ذي عقيدة في الجهاد الشاق الطويل .
والإيحاء الثالث هو في تلك الجملة المعترضة في مساق الخبر , من قول الله سبحانه: (لله الأمر من قبل ومن بعد) . . والمسارعة برد الأمر كله لله . في هذا الحادث وفي سواه . وتقرير هذه الحقيقة الكلية , لتكون ميزان الموقف وميزان كل موقف . فالنصر والهزيمة , وظهور الدول ودثورها , وضعفها وقوتها . شأنه شأن سائر ما يقع في هذا الكون من أحداث ومن أحوال , مرده كله إلى الله , يصرفه كيف
(1) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ ( 25561 ) فيه انقطاع