فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 2003

شاء , وفق حكمته ووفق مراده . وما الأحداث والأحوال إلا آثار لهذه الإرادة المطلقة , التي ليس لأحد عليها من سلطان ; ولا يدري أحد ما وراءها من الحكمة ; ولا يعرف مصادرها ومواردها إلا الله . و إذن فالتسليم والاستسلام هو أقصى ما يملكه البشر أمام الأحوال والأحداث التي يجريها الله وفق قدر مرسوم .

(ألم . غلبت الروم في أدنى الأرض . وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) . .

(لله الأمر من قبل ومن بعد) . .

(ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) . .

ولقد صدق وعد الله , وفرح المؤمنون بنصر الله .

(ينصر من يشاء , وهو العزيز الرحيم) . .

فالأمر له من قبل ومن بعد . وهو ينصر من يشاء . لا مقيد لمشيئته سبحانه . والمشيئة التي تريد النتيجة هي ذاتها التي تيسر الأسباب . فلا تعارض بين تعليق النصر بالمشيئة ووجود الأسباب . والنواميس التي تصرف هذا الوجود كله صادرة عن المشيئة الطليقة . وقد أرادت هذه المشيئة أن تكون هناك سنن لا تتخلف ; وأن تكون هناك نظم لها استقرار وثبات . والنصر والهزيمة أحوال تنشأ عن مؤثرات , وفق تلك السنن التي اقتضتها تلك المشيئة الطليقة .

والعقيدة الإسلامية واضحة ومنطقية في هذا المجال . فهي ترد الأمر كله إلى الله . ولكنها لا تعفي البشر من الأخذ بالأسباب الطبيعية التي من شأنها أن تظهر النتائج إلى عالم الشهادة والواقع . أما أن تتحقق تلك النتائج فعلا أو لا تتحقق فليس داخلا في التكليف , لأن مرد ذلك في النهاية إلى تدبير الله . عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أُرْسِلُ نَاقَتِي وَأَتَوَكَّلُ ؟ قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ. [1]

.فالتوكل في العقيدة الإسلامية مقيد بالأخذ بالأسباب , ورد الأمر بعد ذلك إلى الله .

(ينصر من يشاء , وهو العزيز الرحيم) . .

فهذا النصر محفوف بظلال القدرة القادرة التي تنشئه وتظهره في عالم الواقع ; وبظلال الرحمة التي تحقق به مصالح الناس ; وتجعل منه رحمة للمنصورين والمغلوبين سواء . (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) وصلاح الأرض رحمة للمنتصرين والمهزومين في نهاية المطاف .

(وعد الله . لا يخلف الله وعده . ولكن أكثر الناس لا يعلمون . يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) . .

(1) - صحيح ابن حبان - (2 / 510) ( 731) حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت