ذلك النصر وعد من الله , فلابد من تحققه في واقع الحياة: (لا يخلف الله وعده) فوعده صادر عن إرادته الطليقة , وعن حكمته العميقة . وهو قادر على تحقيقه , لا راد لمشيئته , ولا معقب لحكمه , ولا يكون في الكون إلا ما يشاء .
وتحقيق هذا الوعد طرف من الناموس الأكبر الذي لا يتغير (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ولو بدا في الظاهر أنهم علماء , وأنهم يعرفون الكثير . ذلك أن علمهم سطحي , يتعلق بظواهر الحياة , ولا يتعمق سننها الثابتة , وقوانينها الأصيلة ; ولا يدرك نواميسها الكبرى , وارتباطاتها الوثيقة: (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا) . . ثم لا يتجاوزون هذا الظاهر ; ولا يرون ببصيرتهم ما وراءه .
وظاهر الحياة الدنيا محدود صغير , مهما بدا للناس واسعا شاملا , يستغرق جهودهم بعضه , ولا يستقصونه في حياتهم المحدودة . والحياة كلها طرف صغير من هذا الوجود الهائل , تحكمه نواميس وسنن مستكنة في كيان هذا الوجود وتركيبه .
والذي لا يتصل قلبه بضمير ذلك الوجود ; ولا يتصل حسه بالنواميس والسنن التي تصرفه , يظل ينظر وكأنه لا يرى ; ويبصر الشكل الظاهر والحركة الدائرة , ولكنه لا يدرك حكمته , ولا يعيش بها ومعها . وأكثر الناس كذلك , لأن الإيمان الحق هو وحده الذي يصل ظاهر الحياة بأسرار الوجود ; وهو الذي يمنح العلم روحه المدرك لأسرار الوجود . والمؤمنون هذا الإيمان قلة في مجموع الناس . ومن ثم تظل الأكثرية محجوبة عن المعرفة الحقيقية .
(وهم عن الآخرة هم غافلون) . . فالآخرة حلقة في سلسلة النشأة , وصفحة من صفحات الوجود الكثيرة . والذين لا يدركون حكمة النشأة , ولا يدركون ناموس الوجود يغفلون عن الآخرة , ولا يقدرونها قدرها , ولا يحسبون حسابها , ولا يعرفون أنها نقطة في خط سير الوجود , لا تتخلف مطلقا ولا تحيد .
والغفلة عن الآخرة تجعل كل مقاييس الغافلين تختل ; وتؤرجح في أكفهم ميزان القيم ; فلا يملكون تصور الحياة وأحداثها وقيمها تصورا صحيحا ; ويظل علمهم بها ظاهرا سطحيا ناقصا , لأن حساب الآخرة في ضمير الإنسان يغير نظرته لكل ما يقع في هذه الأرض . فحياته على الأرض إن هي إلا مرحلة قصيرة من رحلته الطويلة في الكون . ونصيبه في هذه الأرض إن هو إلا قدر زهيد من نصيبه الضخم في الوجود . والأحداث والأحوال التي تتم في هذه الأرض إن هي إلا فصل صغير من الرواية الكبيره . ولا ينبغي أن يبني الإنسان حكمه على مرحلة قصيرة من الرحلة الطويلة , وقدر زهيد من النصيب الضخم , وفصل صغير من الرواية الكبيرة !
ومن ثم لا يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويحسب حسابها , مع آخر يعيش لهذه الدنيا وحدها ولا ينتظر ما وراءها . لا يلتقي هذا وذاك في تقدير أمر واحد من أمور هذه الحياة , ولا قيمة واحدة من قيمها الكثيرة ; ولا يتفقان في حكم واحد على حادث أو حالة أو شأن من الشؤون . فلكل منهما ميزان ,