فإن أصدق الكلام كلام الله تبارك وتعالى، وخير الهدى هدى نبينا محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد:
فإن بين يدي الساعة ـ معاشر المؤمنين ـ كما أخبر الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه فتنًا كقطع الليل المظلم (1) [1] ، فتنٌ يفتتن بها العالم والصالح والحليم، فتنٌ لا عاصم منها ـ بعد الله عز وجل ـ إلا النظر في سنن الله عز وجل الكونية، ومعرفة أصولٍ ثابتةٍ لا تتغير ولا تتبدل.
وقد أردت لنفسي ولإخواني في هذا اليوم المبارك أن نتدارس أصولًا خمسة ينبغي ألا تغيب عن ذهن المؤمن ولا عن قلبه؛ علَّه يتسلى بها، وتكون عونًا له على الثبات في الفتن والمحن، عصمنا الله وإياكم من شرها وفتنها.
أما الأصل الأول ـ معاشر المؤمنين ـ الذي لا ينبغي أن يغيب عنك أيها العبد المؤمن، وهو أن الله عز وجل إنما أرسل رسوله بهذا الدين ليظهره على الدين كله هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: 33] .
فأول ما يجب عليك أن تعلمه ويتيقن قلبك له وبه، أن هذا الدين سيظهره الله على كل دين، وأنه أرسل رسوله بهذا الهدى، وبهذا الحق ليبلغ ما بلغ الليل والنهار، كما في صحيح مسلم من حديث ثوبان رضي الله عنه أن النبي قال: (( إن الله قد زوى لي الأرض ـ أي جمعها ـ فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغها ) ) (2) [2] ، وفي حديث آخر يقول: (( ليبلغن هذا الأمر ـ أي دين الإسلام ـ ما بلغ الليل والنهار ) )وهل هناك قطعة من الأرض لا يبلغها ليل أو نهار أيها المؤمنون؟! (( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبرـ بادية وحاضرة ـ إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلًا يذل الله به الكفر ) ) (3) [3]
يعني يبلغ هذا الدين وينتشر هذا الإسلام، ويدخل كل بيت في الحاضرة والبادية بأحد خيارين: إما بعزٍ يسلم أهل ذلك القطر، ويؤمنون بالله واليوم الآخر فيعزهم الله، وإما بذلٍ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: 29] ذلًا يذل الله به الشرك وأهله.
يقول تميم الداري: (قد عرفت ذلك في أهل بيتي؛ لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز ولقد أصاب من كان منهم كافرًا الذل والصغار والجزية) (4) [4] .
هذا أمر وأصل ينبغي ألا يغيب عنك أيها العبد المؤمن، أن الله ما أنزل هذا الدين ولا أرسل رسوله إلا ليظهره على الدين كله، وأنه بالغ ما بلغ الليل والنهار، فكن ممن يسهم في هذا الأمر وفي هذا النصر الذي لا يخلفه ربنا جل وعلا.
وأما الأصل الثاني ـ معاشر المؤمنين ـ الذي ينبغي أن تعيه وتنظر إليه بقلبك وعينك هو أنه لا تزال طائفة على الحق منصورة، مهما كثرت الفتن ومهما كثرت المعسكرات من معسكرات نفاقٍ وكفر