فهرس الكتاب

الصفحة 860 من 2003

وغير ذلك، فإن الله عز وجل قضى بحكمته وبرحمته أنه لا تزال طائفة على الحق منصورة، طائفة على ما كان عليه النبي صلوات ربي وسلامه عليه، في العقيدة والشرع والمنهج، في العمل وتطبيق هذا الشرع، وهذا أصل لو عرفه العبد المؤمن سينشرح صدره ويحرص أن يكون من هذه الطائفة، من طائفة الغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس، أو يصلحون إذا فسد الناس.

فلا تيأس يا عبد الله، واعلم أنه ما من بقعة على وجه الله إلا وعليها طائفة على الحق منصورة بإذن الله تبارك وتعالى.

وأما الأصل الثالث ـ معاشر المؤمنين ـ الذين ينبغي أن يفهمه المؤمن، ويضعه نصب عينيه ويعيشه، هو أن الله عز وجل بحكمته وعلمه جل وعلا قضى أن يعذب من يكذب أنبياءه ورسله، فما من نبي كذبه قومه وآذوه إلا عذبهم الله عز وجل، فأرسل على قومٍ ريحًا، وخسف بآخرين، وأمطر حجارة من السماء على أقوام أخر، يعذب الله كل أمة تكذب برسلها، إلا أمة المصطفى ، شرع لنا ربنا عز وجل أمرًا آخر، لا يُهلِك أعداءنا من عنده، وإنما أمرنا ربنا بقوله: قَاتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [التوبة: 14] ، فبين جل وعلا أنه ينبغي على أمة النبي أن تقاتل أعداءها، فإن هي فعلت فإن الله يعذب أعداءها ولكن بأيدي المؤمنين، ويخزي الكافرين، وينصر المؤمنين عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين.

وهذه سنة ينبغي أن يضعها العبد نصب عينيه؛ فلا يمكن هلاك الأعداء في سنة الله التي اختارها لأمة النبي دون جهد ودون عناء ودون تضحية من المؤمنين، لا تنزل عليهم صاعقة من السماء دون أن يأخذ المؤمنون بالأسباب، ويعدوا ما استطاعوا من قوة، ويقاتلوا أعداء الله عز وجل قَاتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ.

ولعلكم ـ معاشر المؤمنين ـ تذكرون ما وقع في غزوة الأحزاب، إذ كان النبي وأصحابه في ضعف وعوز، وكان الرجل منهم يربط الحجر على بطنه من الجوع، فتآلبت عليه الأحزاب وجاءته قريش بعشرة آلاف كافر مقاتل يريدون أن يقاتلوا تلك العصابة المؤمنة، فلما أخذ المؤمنون بالأسباب وحفروا الخندق نصرهم الله عز وجل وسلط على أعدائهم ريحًا لا يستقر معها قِدْر، ولا يستضيئون بنار حتى قال أبو سفيان لمن معه: لا مقام لكم، فأخزاهم الله عز وجل وردهم بعد أن قام المؤمنون بجهد يسير هو كل ما يستطيعونه (5) [5] .

فاعلم هذا ـ أيها العبد المؤمن ـ، واعلم أنه ما من أمة حوربت على وجه الأرض، ولا دين حورب وأوذي أهله مثل دين الإسلام، ولكن الله عز وجل سينصر جنده وعباده المؤمنين، وعدًا عليه حقًا جل وعلا.

وأما الأصل الرابع ـ أيها العبد المؤمن ـ فهو أن تعلم أن الثقة بنصر الله عز وجل لا تكون في وقت الرخاء، فهذا أمر يستطيعه كل أحد، من السهولة بمكان والإنسان ينعم بأمن وآمان، ويسر وسهولة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت