ورخاء أن يقول: وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ [آل عمران: 126] ، وأن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، ولكن الإيمان الحقيقي أن تدرك ـ أيها العبد المؤمن ـ وأن تؤمن وتستشعر بأن النصر قادم لا محالة، وأنت في الشدة، بل وفي قمة الشدة.
ومن تأمل سيرة المصطفى وجد أمرًا عجبًا، فهذا سراقة بن مالك وهو يطارد النبي ، والنبي طريد لا يملك شيئًا يعد سراقة بسواري كسرى (6) [6] ، ولما جاءه عدي بن حاتم فقال له: (( ما منعك أن تسلم؟ ) )أو قال له: (( أما إني أعلم ما يمنعك من الإسلام، تقول: اتبعه ضعفة الناس، ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب ) )، أي تخشى يا عدي أن تنضم إلى فئة ضعيفة، فبشره النبي فقال: (( أتعرف الحيرة؟ ) )قال: سمعت بها وما رأيتها، فأخبره أن المرأة تسافر من الحيرة إلى مكة تطوف بالبيت لا تخاف أحدًا، وقال له: (( تعرف كسرى بن هرمز؟ ستفتح مدائنه وينال أمتي كنوزه ) )أو كما قال (7) [7] .
ويوم الأحزاب ـ معاشر المؤمنين ـ لما أمر النبي أصحابه بحفر الخندق، فعرض للصحابة رضي الله عنهم صخرة في مكانٍ من الخندق، لا تأخذ فيها المعاول، قال البراء بن عازب: فشكونا إلى رسول الله ، وجاء رسول الله ، ثم هبط إلى الصخرة، فأخذ المعول، فقال: (( بسم الله ) )، فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: (( الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا ) )، ثم قال: (( بسم الله ) )، وضرب أخرى، فكسر ثلث الحجر، فقال: (( الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا ) )، ثم قال: (( بسم الله ) )، وضرب ضربة أخرى، فقلع بقية الحجر، فقال: (( الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا ) ) (8) [8] ، فبشر النبي أصحابه والأحزاب يحيطون بهم، وهم ضعفاء مستضعفون، واليهود من حولهم بشرهم بفتوحات ثلاث، وهذا هدي المؤمن ينبغي أن يثق بنصر الله عز وجل وفتحه، وأنه آت لا محالة، وقت الشدة ووقت العسرة، لا وقت الرخاء ووقت اليسر والأمن.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يحفظ علينا ديننا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وأصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بفضلك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين، ثم أما بعد: