فأما الأصل الخامس الذي يستأنس به العبد المؤمن في زمن الفتن والمحن والبلايا أن يضع نصب عينيه حقيقة قرآنية نص عليها ربنا جل وعلا، وهي أنه مهما فعل المؤمن، ومهما قدم من تنازلات، فإنه لا يمكن أن يرضي أعداء الله عز وجل إلا في حالة واحدة، بينها ربنا لنبيه: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة: 119] قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة: 120] ، فبين جل وعلا لنبيه وهو سيد الخلق وأرحمهم، وأعلمهم بالسياسة وأحكمهم وأحسنهم حكمة وتعاملًا مع عباد الله عز وجل، كيف لا وهو الرؤوف الرحيم بالأمة، وهو الذي قال له ربه: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أي مهلكها أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء: 3] ومع ذلك، مع كل ما أوتي من صفات وقدرات، فهو مع ذلك يخبره ربه بأنه لا يمكن له أن يرضي اليهود والنصارى، مهما فعل إلا إذا اتبع دينهم وملتهم، ثم بين جل وعلا أنهم ليسوا على دين، وليسوا على ملة فقال: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ ماذا يحدث؟ لا أقول للمؤمن أو للمسلم أو لضعيف الإيمان الفاسق، بل لسيد الخلق مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ، لا ينصره الله، ولا يتولاه إن هو أطاع أهواء أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
والله عز وجل ـ معاشر المؤمنين ـ أخبرنا، وهو الذي يعلم من خلق، ويعلم السر والنجوى فقال سبحانه: يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة: 32] ، فبين سبحانه أنهم يريدون إطفاء نور الله وهو الإسلام، وشرعه الذي أنزله على نبيه ، فماذا رد الله عليهم؟ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ سيتم هذا النور، وسيبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، فلا ينبغي لمسلم يؤمن بالله وبهذه الآيات أن يتنازل أو يرضى الدنية في دينه حتى يرضي يهوديًا أو نصرانيًا، فإنهم لن يرضوا حتى يكفر العبد بالله عز وجل، ويقول: عزير ابن الله، أو عيسى ابن الله، حينها يرضون عنه أتم الرضى فيخسر الدنيا والآخر ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر: 15] .
(1) أخرجه أحمد (32/504) [19730] وأبو داود في الفتن [4259] ، وابن ماجه في الفتن [3961] ، من حديث أبي موسى رضي الله عنه، وصححه ابن حبان [5962] ، وهو في صحيح سنن أبي داود [3582] ، وأخرجه أحمد (30/353) [18404] ، والحاكم (3/530) من حديث النعمان بن بشير، وأخرجه أحمد (25/31) [15753] ، والحاكم (3/525) أيضًا من حديث الضحاك بن قيس رضي الله عنه.
(2) أخرجه مسلم في الفتن [2889] .
(3) أخرجه أحمد (28/154 ـ 155) [16957] ، والبيهقي (9/181) من حديث تميم الداري، وصححه الحاكم (4/430) ، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع (6/14) :"رجاله رجال الصحيح". وصححه الألباني على شرط مسلم في تحذير الساجد (ص118 ـ 119) .