يقول الله سبحانه في كتابه العزيز: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذالِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:55] .
هذه آية تحمل في طيَّاتها قانون النصر، وتحتوي على عناصرِ معادلة التمكين التي ذهب المسلمون يبحثون عنها في كل مكان، وهي في متناول أيديهم، وبين دفتي كتابهم المنزَّل منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام على قلب نبيهم محمد بن عبد الله ، فالله سبحانه في هذه الآيات يعدُ الذين آمنوا وعملوا الصالحات، الذين حققوا الإيمان في قلوبهم ولم يتوقفوا عند ذلك بل أتبعوا الإيمان بالعمل الصالح، يعدهم بوعود عظيمة ما كانت لتخطر عليهم بل كانوا يقنعون بما هو أدنى منها بكثير، يعدهم سبحانه بأن يستخلفهم في الأرض وأن يمكن لهم دينهم وأن يؤمِّنهم بعد أن كانوا خائفين، وهذه المعادلة لا يتحقق جانب منها إذا لم يتحقق الجانب الآخر، فإذا أدى الناس ما عليهم جاءت النتيجة من الله الذي لا يخلف الميعاد.
ولقد تحقق هذا الأمر في عهد رسول الله وعهد خلفائه الراشدين لأن الأمة كانت تسير على صراط الله سبحانه وتطلب مرضاته، وتحقق بعد ذلك في كل عصر كان فيه المسلمون محققين لتقوى الله في قلوبهم ساعين في عمل الخيرات، يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية:"هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض وأئمة الناس والولاة عليهم، بهم تصلح البلاد وتخضع لهم العباد وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنًا، وحكمًا فيهم، وقد فعله تبارك وتعالى وله الحمد والمنة، فإنه لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكاملها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر المقوقس وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة، ثم قام من بعده خليفته أبو بكر الصديق، فبعث جيوش الإسلام إلى بلاد فارس بقيادة خالد بن الوليد، ففتحوا طرفًا منها وجيشًا آخر بقيادة أبي عبيدة إلى الشام، وثالث بقيادة عمرو بن العاص إلى مصر، ثم آل الأمر بعده إلى عمر الفاروق الذي تم في أيامه فتح البلاد الشامية بكاملها ومصر إلى آخرها وأكثر إقليم فارس..."إلى آخر كلامه رحمه الله.
من هذا نعلم أن الله يُمكِّن لأوليائه إذا كانوا مؤمنين صالحين, ومن هذا نعلم أنه إذا مكَّن العبد لدين الله في قلبه وأصبح هذا الدين يتربع على عرش القلب وتأتمر الأعضاء بأمره، فإن الله يمكن لهذا العبد في الأرض ويجعله غالبًا لا مغلوبًا، أما إذا طُرد الإسلام ومُكِّن للشيطان والشهوات في القلوب فإن الله سبحانه بعدله يكتب الذل والصغار على أصحاب هذه القلوب وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49] .
وهذا ما كان من هدي رسولنا وسلفنا الصالح رضوان الله عليهم، فهم لم ينتصروا بالعدد وإن كان العدد عاملًا مساعدًا في النصر، بل كانوا في أكثر معاركهم وفتوحاتهم الإسلامية أقل بكثير من