عدوهم، بدء من غزوة بدر الكبرى التي كان عدد المسلمين فيها ثلاث مائة وبضعة عشر رجلًا أمام ألف من المشركين إلى معركة القادسية التي نازل فيها سبعة آلاف من المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص ستين ألفًا من الفرس بقيادة رستم وهزموهم بإذن الله، وإذا أجرينا عملية نسبة وتناسب، لوجدنا أن كل جندي مسلم في معركة القادسية يقابل أكثر من ثمانية من جند العدو.
كما أن المسلمين لم ينتصروا بقوة وتقدم عدتهم رغم أنها عامل مساعد أيضًا في النصر لأنهم لم يكونوا متقدمين تقنيًا، بل كانوا يقاتلون بأدوات تقليدية كالسيف والرمح، بينما أعداؤهم يستعملون أدوات أقوى وأنجع بل وصلوا إلى استعمال الحيوانات الضخمة التي كانت مخيفة للناس وللخيل، فقد استعمل الفرس في معركة القادسية أكثر من ثلاثة وثلاثين فيلًا في القتال، ومع هذا لم يتراجع المسلمون ولم ينهزموا. لم ينهزموا رغم أنهم الأقل عددًا والأقل عدة لأنهم تسلحوا بالإيمان.
إن العقيدة في قلوب رجالها ... ... من مدفع أقوى وألف مهند
والعجيب ـ عباد الله ـ أن المسلمين ضيعوا حبل الله المتمثل في الإيمان به حق الإيمان والعمل في مرضاته، ففقدوا تأييده ونصره، وضيعوا حبل الأخذ بالأسباب الدنيوية والتقدم العلمي الذي قد يقربهم إن لم يساويهم بمستوى عدوهم، فأصبحوا الأضعف بين أمم الأرض وأصبحوا كالحمار القصير الذي يركبه الكبير والصغير فالله المستعان، وهذا تذبذب كتذبذب المنافقين الذين ذمهم الله تعالى في كتابه لأنهم لم يؤمنوا فيكونوا مع المؤمنين ولم يُظهروا كفرهم فيكونوا مع الكافرين، بل بقوا يتأرجحون بين ذلك، لهذا فهم في الدرك الأسفل من النار يقول الله سبحانه عنهم: مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذالِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:143] ، كل هذا لأن المسلمين ضيعوا أسباب النصر والتمكين ولم يعملوا بها.
إن من أهم أسباب النصر طاعة الله سبحانه وطاعة رسوله فأين نحن من هذين الأمرين العظيمين أين نحن من طاعة الله سبحانه التي هي خير عدة وخير عتاد بل هي العتاد والعدة يقول سبحانه:كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:249] .
ليس المقياس مقياس عدة وعدد، إنما المقياس مقياس قرب من الله وبعد عنه، لهذا لما طارد فرعون بجنوده وملئه موسى عليه السلام وقومه، وقال قوم موسى في خوف ووجل: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] ، قال موسى العبد الواثق بربه: قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] ، إذًا فطاعة الله حصن عظيم يلجأ إليه الصالحون في الشدائد فينصرهم الله وينجيهم من كل كيد.
وهذا ما فهمه المسلمون الأوائل رضوان الله عليهم، فقد كثر وتتابع وصية الأمراء والخلفاء إلى قوادهم في المعارك طاعة الله لأنها سبيل النصر، أورد أبو نعيم في حلية الأولياء رسالة من عمر بن عبد العزيز إلى أحد عماله أو قواده يقول فبها: (عليك بتقوى الله في كل حال ينزل بك، فإن تقوى الله أفضل العدة وأبلغ المكيدة وأقوى القوة، ولا تكن في شيء من عداوة عدوك أشد احتراسًا لنفسك ومن