فهرس الكتاب

الصفحة 881 من 2003

أيها المسلمون، إن الأمة تمرّ في حالها الراهنة بأوضاعٍ من الضعف والتشتت وظلام الطريق، بينما يمرّ آخرون بموجاتٍ من الاستعلاء والقوة، ونزعات التفرّد.

إن كل ذلك ـ على ظلامه وبأساءه ـ يشير إلى أفقٍ مضيء، وسبيلٍ عامرٍ بالأمل بإذن الله، نعم، لئن كان الباطل يزداد بطشًا وطغيانًا وغدرًا، وصورة ذلك جليةٌ في عدوان اليهود في فلسطين المحتلة، في القتل والهدم، والتشريد، والصلف والاستكبار.

لئن كان الباطل يزداد بطشًا وطغيانًا وغدرًا بهذه الصورة، فإن ذلك عند المؤمن في إيمانه وبمعرفته بسنن الله هو بداية النهاية بإذن الله حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا [يوسف:110] ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214] ، مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [الحشر:2] .

إن المسلم لا يسرف في التعلق بالأماني وسراب التمنيات، ولكنه في الوقت ذاته لا يكون منكّس الرأس، في مستنقعات الهزائم ومواطن الذل والمهانة، إن أمل المسلم ليس مكابرةً ولا قفزًا على الواقع والوقائع، ولكنه عقيدة راسخة يؤمن بها، ويعمل في إطارها، سندها كتاب الله عز وجل، وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَايْئَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يسوف:87] ، وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ [الحجر:56] ، إن اليأس حيلة العاجز الذي يؤثر الانسحاب والعزلة، إن البلاء يُحتمل بعظم الرجاء، والفرج طريقهُ الثقة بالله العلي الأعلى، المؤمن الحق لا تزلزله المِحن، ولا تهدّه المكائد، بل يزيده ذلك عطاءً وبذلًا وتضحية وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَاتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:146-148] .

معاشر المسلمين، إن من أعظم مهمات أهل العلم والرأي، والدعاة والمصلحين أن يُشيعوا الأمل الصادق في نفوس الأمل، الأمل الذي يدعو إلى الثبات على الدين، والعضّ عليه بالنواجذ، والعمل على نصرته، والذبّ عن حياضه، واليقين بأن نصر الله لن ينزل على أوليائه بمعجزةٍ خارقة، ولكن بسنةٍ جارية، يمتحن فيها العباد ليبلوهم ربهم أيهم أحسن عملًا، وهذا لا يتحقق بموعظةٍ تُتلى، أو خطبةٍ تُلقى فحسب، ولكن بقدوات صالحة، قويةٍ ـ بإذن الله ـ ذاقت حلاوة الإيمان، وصدقت بموعود الله لأوليائه المتقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت