فهرس الكتاب

الصفحة 883 من 2003

تستنزف في أمور تذهب بحلاوة الإيمان، وتضعف جذوته وكيف يتصور التطلع إلى النصر بنفوسٍ لم تذق حلاوة الإيمان (( ذاق حلاوة الإيمان من رضي الله عنه بالله ربًا وبمحمدًا رسولًا، وبالإسلام دينًا ) ) (1) [1] . كما يجب التأكد أن الطريق الصحيح ومنهج التصحيح في مواجهة ضغوط الخارج وتحدياته ليس بالاشتغال بالرد عليها مما قد يجر أو جرّ إلى معارك خاسرة، ولكن الإصلاح الحقيقي، والتصحيح الجاد يتمثّل في التوجّه نحو الداخل وتصفيته وتنقيته، وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران:120] ولا ريب أن التصحيح من الداخل شاقٌ على النفس وثقيل في الممارسة؛ لأن الإنسان في هذه الحالة سوف ينقد نفسه وسوف يصلحها، أي أنه يجعل من نفسه الحجر والنحّات في آنٍ واحد، وإن أصحاب الطريق المسدود والمتأزّمين هم الذين يسلطون سياط نقدهم ودائمًا نحو الخارج وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران:120] ، آية كريمة ومعلمٌ بارز، ورايةٌ مرفوعة في رسم الطريق لهذا الإصلاح الداخلي، ويقترن بهذه الآية، آية أخرى توجه إلى مواجهة الخارج بالنقد الداخلي والإصلاح والتحصين، اقرأوا في خبر غزوة أحد أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ

مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَاذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:195] ، إنه ليس من الحكمة تضخيم شأن العدو إلى الحدّ الذي يجعل تصّور هزيمته شيئًا بعيدًا، فالعدّو بشر، له حساباته وله موازناته ومشكلاته وإمكاناته، وَلاَ تَهِنُواْ فِى ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ [النساء:104] ، إن النصر العام لا بدّ أن يسبقه نصرٌ خاص، إن الأمة المنتصرة على أعداءها هي أمة قد حققت قبل ذلك نصرًا داخليًا، ومما يجب التأكيد عليه أخيرًا، سلاح الصبر، والمراد بالصبر هنا: احتمال المشاق، والتيمومة في تأدية التكاليف مهما كانت قسوة الظروف.

إن الصبر لا يعني الاستسلام للأحوال السيئة والظروف والظروف القاسية، ولكنه يعني عدم اللجوء إلى الحلول السريعة، إن الجري وراء الحلول السريعة لمشكلاتٍ مستعصية مآلة الإحباط واليأس، أو الاندفاع والتهوّر مما يزيد المشكلات تعقيدًا، ويجعل الحلّ الحقيقي بعيد المنال، إن الصبر توظيفٌ صحيح للوقت والزمن لحل أوضاع لا يُستطاع حلّها في الوقت القريب.

وبعد أيها المسلمون، فإن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب، وإن مع اليسر يسرًا، وإن في رحم كل ضائقة أجنة انفراجها، ومفتاح حلّها وطريق ذلك بإذن الله دينٌ صحيح وعقل مستنير، ومبضع جرّاح، وحرقة والدة، وعلى الله قصد السبيل وهو الغالب على أمره، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لَتُبْلَوُنَّ فِى أَمْوالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذالِكَ مِنْ عَزْمِ الاْمُورِ [آل عمران:186] ، نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ، وأقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت