الخطبة الثانية
الحمد لله، الحمد لله الواحد الفرد الصمد، أحمده سبحانه وأشكره، ليس لفضله منتهى ولا لإحسانه حدّ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إرغامًا لمن كفر به وجحد، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله بالفضائل تشرف وبالكمالات انفرد، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه كانوا للدين أعظم مستند، والتابعين ومن تبعهم بإحسان. أما بعد:
فإن من صعاب الأمور قياد الأمم أعقاب الهزائم، وإحياء الأمل بعد الانكسارات. ولكن الرجال يستسهلون الصعب، ويصادرون الأيام حتى يجتازوا الأزمات، نعم: إن الأمة الحيّة لا تكفّ عن مراجعة أمرها، وقياس أدائها في أصولها وأساليبها كما لا تملّ بالبحث عن المعوقات والحلول، إن الأمة بحاجة إلى امتلاك الشجاعة الكافية للاعتراف بالأخطاء، والتقصير في مسيرتها، وهي بحاجة إلى التفريق الدقيق بين الأعراض والأمراض، حتى لا تعالج المظاهر والأعراض وتهمل الحقائق والأدواء. لقد كشفت الأحداث المتوالية عن الأمة اضطرابًا في الفهم، واهتزازًا في قراءة الأحداث، واستسلام كثيرين للتضليل الإعلامي الذي يدير آلته العدوّ، مما أثار اللبس، وأشاع الشبهات فأنتج مع الأسف استسلامًا في بعض المواطن لأهواء الأقوياء، ولضغوط إعلامية علا صوتها.
أيها المسلمون: الإصلاح يبدأ بالنفس، وليس بضجيج الإعلام، ولا هُتاف الجماهير، ولا اندفاع الجموع، إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] ، إن الإصلاح يكمن في صلاح القلوب وارتباطها بعلاّم الغيوب، خضوعٌ تام لله الواحد القهار، عيادةً وتذللًا، وانقيادًا وتسليمًا.
إن أهل الإسلام، وهم يعيشون، أيام هذا الشهر المبارك، أولى ما يكونون بالتوّجه نحو الإصلاح، وأولى الأولويات البدء في إصلاح النفس، فلتكن ـ يا عباد الله ـ هذه الأيام المباركة مواقف صدق، ولاسيما هذه العشر الأخيرة، إنها من أرقى الأوقات، وأحرى ما يؤمّل المسلم من فضل وخير وصلاحٍ وإصلاح، وإن لكم في نبيكم محمد لأسوة حسنة، فقد كان يخلط العشرين بصلاة وصوم، فإذا كان العشر شمّر وشدّ المئزر، وحسبها فضلًا ما يُرجى فيها من ليلة القدر، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:2، 3] ، (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) (2) [1] حديث مخرج في الصحيحين.
أيها المسلمون، إن شهركم قرب رحيله، وأزف تحويله، وقوّضت خيامه، فبادروا بالتوجه، واجتهدوا في حسن الختام، ودّعوا شهركم بالتوبة إلى الله، والإنابة إليه (وكل ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون) (3) [2] ، ومن خير أعمالكم إخراج زكاة الفطر، فهي طهرةٌ للصائم من اللغو والرفث، وطعمةٌ للمساكين، من أدّاها قبل صلاة العيد، فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقةٌ من الصدقات، فأخرجوها ـ رحمكم الله ـ طيبة بها نفوسكم.