فهرس الكتاب

الصفحة 890 من 2003

الخطبة الأولى

أما بعد: فيقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:60] ، صدق الله العظيم.

أيها المسلمون، هذه الآية الكريمة من سورة النساء، وهي مدنية، وتشير هذه الآية إلى أنّ أحد المنافقين في المدينة المنوّرة قد رفض الاحتكام إلى الرسول ، وأراد أن يحتكم إلى أحد الطواغيت الظلمة، فهو في زمرة الشياطين الضالين.

وهناك ـ يا مسلمون ـ آية أخرى في السورة نفسها، أي: في سورة النساء تؤكّد هذا المعنى، فيقول الله عز وجل: فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:65] ، وسبب نزول هذه الآية الكريمة أنّ أحد المنافقين قد رفض الانصياع لقرار التحكيم الذي أصدره رسولنا الأكرم ، وادّعى هذا المنافق بأن هذا القرار مُتَحَيّز وغير عادل (1) [1] .

أيّها المسلمون، يجهل البعض في هذه الأيام, أو يتجاهلون الأحكام الشرعية المتعلقة بالولاء والتبعية، في حين إنّ عشرات النصوص الشرعية من الآيات الكريمة, والأحاديث النبوية الشريفة؛ صريحة في أنّه لا ولاء إلا لله ورسوله، ولا تبعية لشياطين الإنس من العلمانيين واللادينيين، ولا للقوانين الوضعية المستوردة من دول الكفر، الذين يكذبون قول رب العباد ويطبقون قول العباد، ويهجرون القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ويريدوننا أن نتنفس بقرارات مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة، ونسي المسلمون أو تناسوا في هذه الأيام أن ملة الكفر واحدة، وأن دول الكفر كما هو واضح ومعلن لن تغير مواقفها العدائية تجاه المسلمين، تجاه قضاياهم المصيرية، ولو أن المسلمين احتكموا إلى دينهم العظيم؛ لما أشغلوا أنفسهم, وما أضاعوا وقتهم, وهم يلهثون وراء دول الكفر والاستعمار، فأين الإيمان؟ أين اليقين؟ أين التوكل على رب العالمين؟

أيها المسلمون، يتوجب على المسلمين في هذه الأيام أن يلتزموا نهج نبيهم محمد ، في جميع مناحي الحياة من خلال سننه العملية؛ لأنه لم يكن تابعًا ولا عميلًا لأي دولة أخرى، بل كان يعد العدة, ويعبئ الصحابة روحيًا وإيمانيًا ونفسيًا ومعنويًا وماديًا، ثم يلجأ إلى الله رب العالمين يطلب منه النصر والتوفيق، فهذا ما حصل على سبيل المثال لا الحصر قبل بدء معركة بدر الكبرى، حين توجه عليه الصلاة والسلام إلى الله بتضرع وخشوع قائلا: (( اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني ) ) (2) [2] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت