فهرس الكتاب

الصفحة 899 من 2003

لا نقتل منكم رجلًا. فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنّا نبيك، فقاتَلوهم حتى قَتلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنبل، وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قد قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظُّلة من الدبر، فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء.

وكان عاصم بن ثابت قد عاهد الله أن لا يمسه مشرك، ولا يمس مشركًا أبدًا، فكان عمر يقول: لما بلغه خبره، يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما حفظه في حياته.

فكان عاصم مدافعًا أول النهار عن دين الله، ودافع الله عز وجل عن جسده آخر النهار، فلم يمسه مشرك.

فإن قال قائل: لماذا لم يمنعهم الله عز وجل من قتله كما منعهم من الوصول إلى جسده بعد قتله؟ فالجواب: أن الله عز وجل يحب أن يرى صدق الصادقين، ويحب أن يرى عباده المؤمنين، وهم يبذلون أنفسهم لله عز وجل فيبوئهم منازل الكرامة، ويزيدُهم من فضله، فالله عز وجل أراد أن يشرّفه بدرجة الشهادة، فلم يمنعهم من قتله ثم حمى الله عز وجل جسده من أن يمسه مشرك. فهذه صورة من صور النصر ولو انتهت بموت وقتل صاحبه.

نوع خامس من النصر الذي ينصر الله عز وجل به عباده المؤمنين: وهو نصر الحجة كما قال تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَاهَا إِبْراهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:83] ، والرفع هو الانتصار، وكما قال النبي: (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ) ). فهذا الظهور أدناه أنه ظهور حجة وبيان، وقد يكون معه ظهور دولة وسلطان.

أيها المسلمون، هذه أنواع من النصر كلها تدخل في وعد الله سبحانه وتعالى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ [الروم:47] ، ولكن النصر الذي بشرنا الله عز وجل به، وبشرنا به رسوله هو النصر الأول، وهو نصر التمكين والظهور، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف:9] ، وقال النبي: (( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر، إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلًا يذل به الكفر ) )وقال: (( إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكُها ما زُوي لي منها ) ). وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ) ).

ونقرأ هذه الأحاديث تحقيقًا لوعد الله ووعد نبينا صلى الله عليه وسلم. ونحن بانتظار الشمس أن تشرق، وهذا الليل أن ينجلي، وذلكم الصبح أن يتنفس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت