وشدّ عزائمهم، ولإعادة الثقة لأنفسهم، ولأخذ العظة والعبرة مما حلّ بهم، ويأمر الله ربَّ العالمين المسلمين بأن لا يحزنوا وأن لا يضعفوا إن كانوا مؤمنين حقًّا.
أيّها المسلمون، أيّها المؤمنون، لقد كانت هذه الآيات الكريمة مطَمئِنةً لنفوس الصحابة ومواسِية لهم ومقويّة لإيمانهم، فدفنوا الشهداء، وضمّدوا الجراح، واستعدوا من جديد لردّ الاعتبار.
ومع ذلك وُجِد في المدينة المنورة بعض المنافقين الذين لا همَّ لهم إلا أن يتصيّدوا أخطاء المسلمين ويشمتوا بما حلّ بهم من خسائر، وهم يروِّجون الإشاعات ويثبّطون العزائم، فيقول الله عز وجل على لسان هؤلاء المنافقين: لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا [آل عمران:156] ، فكأنّ الموت والأجل بأيديهم، معاذ الله عما يدعون ويفترون.
أيها المسلمون، إن مثل هؤلاء المنافقين موجودون في كل مجتمع وفي كلّ زمان ومكان، ولكن يتفاوت عددهم قلة وكثرة، وهذا ما لمسناه بعد وقوع حرب حزيران عام 1967م، والتي سيصادف ذكراها غدًا السبت، فإنّ المندسين كان هدفهم تكريس الاحتلال والاعتراف بالأمر الواقع والانخراط في صفوفهم والانسجام معهم، وأطلقوا التبريرات الواهية لتصرفاتهم ولمواقفهم الشاذة.
أيها المسلمون، لقد تمكن رسولنا الأعظم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم من تغيير كفة الميزان لصالحهم، وذلك بعد عام واحد فقط من وقوع غزة أُحد، فكانت غزة بدر الآخرة التي وقعت في السنة الرابعة للهجرة، ثم غزوة الخندق"الأحزاب"، والتي وقعت في السنة الخامسة للهجرة، وأعطى المسلمون بتوفيق الله وتأييده درسًا قاسيًا لخصومهم، كما أنهم وضعوا حدًّا للمثبطين والمشكّكين، ولم ييأس المسلمون لما حل بهم في أُحد، لم يناموا، ولم يستكينوا، ولم يتهرّبوا من المسؤولية، ولم ويستسلموا للأمنيات.
وما نيل المطالب بالتمني ... ولكن تؤخذ الدنيا غِلابا
ما استعصى على قوم منال ... إذا الإقدام كان لهم ركابا
أيها المسلمون، يا أبناء محمد عليه الصلاة والسلام، ولا بدّ من الإشارة إلى أن النصر لفظ من الألفاظ العقدية في الدين الإسلامي، وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم ما يزيد عن مائة وثلاثين مرة.
والنصر مسند ومنسوب إلى الله العليّ القدير، فالنصر من عند الله، والمسلمون ينصرون بمدد من الله وتأييده، وذلك حينما يَنصرون الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه، كما في قوله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:160] ، وكما في قول رب العالمين في سورة الحج: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40] ، وقوله عز وجل في سورة محمد: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] .