فهرس الكتاب

الصفحة 907 من 2003

الخطبة الأولى

أيها الإخوة، يقرأ المسلم في القرآن عشرات الآيات التي تؤكد انتصار الحق واندحار الباطل، فآيات تعد المؤمنين بالنصر والتمكين كقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور:55] ، وآيات تبين أن نصر المؤمنين وعد من الله، ووعد الله حق لا يتخلف: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47] ، وقوله: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173] ، وآيات تنفي أن يكون للكافرين سلطان على المؤمنين: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141] ، وأخرى تؤكد أن الكفرة مهزومون مغلوبون غيرُ معجزين: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:20، 21] ، وقوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ [الأنفال:59] ، وقوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ [النور:57] ، وتأمل المؤكدات اللغوية في الآيات.

وهذه الآيات كلها محكمة غير منسوخة، لكن واقع أمة الإسلام اليوم يجعل المسلم في حَيرةٍ من أمره، فبالمقياس المادي والمنظور القريب لا يرى المسلم ملامح النصر تلوح في الأفق، بل لا يرى إلا الذلة والهوان وتسلط الأعداء والوِصاية على الأمة والاستخفاف بها.

ويقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود

ولولا هذه الآيات والأحاديث الواعدة لأصيب الإنسان باليأس والقنوط. وهنا يبرز سؤال، بل تحصل فتنة للمسلم: أين نصرُ الله؟! ومتى يتحققُ وعدُ الله؟!

أقول: إن الله لم يرد أن يكون حَمَلةُ دعوتِه وحُماةُ دينه من التنابلةِ الكُسالى الذين يجلسون في استرخاء ينتظرون نصرًا سهلًا هينًا بلا عناء، لمجرد أنهم يقيمون الصلاة ويرتلون القرآن ويتوجهون بالدعاء كلما مسهم الأذى ووقع عليهم الاعتداء.

نعم، يجب أن يفعلوا ذلك، لكن هذه العبادةَ وحدها لا تؤهّلهم لحمل دعوةِ الله وحمايتِها، كما أن النصرَ السريعَ الهينَ الذي ينزل على أناس غيرِ مؤهلين لم يبذلوا من أجله شيئًا سيكون رخيصًا في نفوسهم، ولن يبذلوا جهدًا للحفاظ عليه، فما جاء هينًا ذهب هينًا ولا بد، ولقد حاول سيد رحمه الله استلهام حِكم تأخرِّ النصرِ، فذكر عدة حِكم منها:

فقال:"النصر قد يبطئ؛ لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعد نضجها"، نعم هذه أهمُ الحكم؛ فالأمة لم تنته بعد من تيهها، فلقد غُيِّبت حينًا من الدهر عن دينها، ورفعت شعارات فكرية تصطدم مع عقيدتها أغلى ما تملكه، ومارست كثيرًا من الشركيات السلوكية، وما زال أهم مقتضيات التوحيد مائعًا أعنى: الولاء، يقول رسول الله: (( إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله ) )، فما زال ولاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت