الأمة متشتّت في الشرق والغرب، بل أصبح وللأسف تعاملنا مع بعضنا بعكس ما وصف الله المؤمنين في قوله: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54] ، وأصبح بأسنا بيننا شديدا، بل أشدّ مما على اليهود، كما قال الشاعر:
وليس الذئب يأكل لحم ذئب ... ويأكل بعضنا بعضًا عيانًا
وقال:"قد يبطئ النصرُ حتى تبذلَ الأمةُ المؤمنةُ آخرَ ما في طوقِها من قوةٍ، وآخرَ ما تملكه من رصيد، فلا تستبقي عزيزًا ولا غاليًا إلا بذلته رخيصًا في سبيلِ اللهِ". أقول: ليسأل كلّ واحدٍ منا نفسه: ماذا بذل؟ وما حجمُ تضحياته من أجل نصرة دينه، أو تأييد العاملين لنصرة الدين مقارنة بما يبذله من أجل دنياه؟! لو أن النصر تحقق لنا الآن ونحن نؤثر عليه دنيانا لن تكون له أيُ قيمةٍ في نفوسنا، بل سنقول: ها نحن قد نُصرنا ونحن محادّين لدينه ومشاقّين له، فما قيمةُ العبادةِ والطاعةِ إذًا، وبعد نزول النصر ـ بلا شك ـ لن نكون حريصين على المحافظة عليه؛ لأن ما جاء هينًا وبلا بذلٍ سيذهبُ كما جاء.
وقد يبطئ النصر حتى تجرّب الأمة آخرَ قواها، فتدركَ أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر، بل النصر من عند الله.
إن القوةَ الماديةَ رغم أهميتها إلا أنها ليست هي الأساس، بل هي تبع، وفي يوم حنين اغترّ المسلمون بالقوة المادية، فتلقّوا درسًا قاسيًا، وعُلِّموا أن النصر لا يعتمد على القوّة المادية بالدّرجة الأولى، قال تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا [التوبة:25] . لقد تلقّوا الهزيمة أوّل الأمر، وفرّ القوم حتى لم يثبت مع رسول الله إلا قرابةُ مائةِ، وقبل قليل يقول أحدهم: لن نهزم اليوم من قلة، اغترارًا بالعَدد، وعلى هؤلاء القلةِ الثابتةِ مع رسول الله نزلَ النصرُ وأسِرَ ستة آلاف أسيرا، ولكثرة الغنائم كان يعطي الرجل من المؤلفة مائة من الإبل، قال تعالى: ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [التوبة:26] . ...
وقد يبطئ النصرُ لتزيدَ الأمةُ المؤمنةُ صلتَها بالله، نعم يجب أن تركن إلى الله وحده، وتكفرَ بأي سند سوى الله، وتؤمِن يقينًا بقول الله: وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران:126] ، وبقدر قوة الصلة بالله والركون إليه والتوكل عليه تكون سرعة تنزل النصر، لذلك كانت وصيةُ الخلفاءِ لجيوشهم حثَهم على تقوى الله وتحذيرَهم من المعاصي، فمن وصايا عمر لقادته: (آمرك ومن معك بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، آمرك ومن معك أن تكون أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم، وإنما ينتصر المسلمون بمعصية عدوهم، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددهم، وعدتنا ليس كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا فلن نغلبهم بقوتنا) .