فهرس الكتاب

الصفحة 909 من 2003

الخطبة الثانية

من الحكم أنه قد يبطئ النصرُ لأن الأمة المؤمنة لم تتجرّد بعد من حظوظ نفسها، كثيرٌ منا يريد إسلامًا بمقاس معين يتكيّف مع رغباته، فإن تعارض مع هذه الرغبات طوَّعَه وإلا تركه، وأظهر حظوظ النفس حب الدنيا والرياء والسمعة والانتصار للنفس حمية والاستحسان العقلي، ومن هنا كان الشرك والرياء والبدعة محبطة للعمل، قال رسول الله: (( قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ) )، وقال رسول الله: (( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) )، وسئل رسول الله عن الرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل ليرى مكانه: فأيها في سبيل الله؟ فقال: (( من قاتل لتكون كلمة هي العليا فهو في سبيل الله ) ). نعم، ليس لحزب أو جماعة أو طائفة أو قبيلة، ويوم حصل جزء من النصر والنفوس لم تتجرد من حظوظ نفسها وجه المسلم سلاحه الذي كان موجها إلى الكفرة لأخيه المسلم ـ اللهم إنا نعوذ بك من شماتة الأعداء ـ لأن الباطل لم ينكشف زيفه أمام الناس، والله يريد إظهار الباطل عاريًا للناس حتى لا ينخدع به أحد بعد ذلك.

يا لها من حكمة عظيمة، قد يدّعي الصلاح والإصلاح من هو عدوّ للصلاح والإصلاح، ويمثل الدور بإتقان، ويظهر غَيرتَه على الدعوة، فيغترّ كثير من الناس بعدو الله ولا يشكّون فيه؛ لأن اسمه محمد أو أحمد، بل قد يتهم غيره بالعمالة والخيانة، فيلتبس الأمر على الناس، وقديمًا اتهم فرعون اللعين موسى الكليم عليه السلام بالخيانة والتآمر: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ [غافر:26] ، فيتأخر النصرُ حتى ينكشفَ الباطلُ كلُه ويتعرّى، وما يعود أحد يغترّ به، فيأذن الله بزهوق الباطل وظهور الحق، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ [الرعد:17] ؛ لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحقّ والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة؛ لأن الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة فيه بقايا خير يريد الله أن يستخلص هذا الخير، ليُهلكَ بعد ذلك الشرَ المحضَ.

أيها الإخوة، إن النصر آت لا محالة كما وعد الله، لكن السؤال الذي ينبغي أن يسأل كل واحد منا نفسه: هل أنا ممن استحق أن يتنزل عليه نصر الله؟ وهل أنا ممن يحسِبُ الأعداءُ له حسابًا، أم أنني ممن يتمنى الأعداء أمثاله؟ وهل أنا صفر ذو قيمة في الصراع بين الحق والباطل، أم أني من الأصفار التي لا يؤبه بها لأني من أصفار الشمال؟ ليس الذي يحدد ذلك شهادتك أو مركزك أو جاهك، كلا، بل الذي يحدد ذلك أهدافك وأمانيك وبرامجك، هل هي تدور مع مصلحة الإسلام أينما دار، أم تدور مع مصالحك الشخصية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت