فمن هذه السنن أن تعلم أن النصر من عند الله تعالى، كما أخبرنا مولانا حيث قال: وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [آل عمران:126] ، فمهما طلبنا النصر من غيره أذلنا الله وخيب سعينا، وما أحوجنا إلى أن نجأر إلى الله تعالى بما قاله الأول:
فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى ... عليهم وهل إلا عليك المعول؟!
ومن أسباب النصر أن ننصر الله تعالى بأقوالنا وأعمالنا وقلوبنا، فإن الله تعالى قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] . ونصرنا لله تعالى يكون بتعظيم دينه وامتثال أمره وإعلاء كلمته وتحكيم شرعه والجهاد في سبيله، قال الله تعالى في بيان المستحقين للنصر: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:41] .
ومن سنن النصر أنه آتٍ لا محالة للمؤمنين الصادقين، وأن التمكين للإسلام متحقق رغم العوائق والعقبات، فالدين دين الله، والله ناصر دينه وأولياءه، قال الله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:51] . لكن هذا الوعد لا يعني أن لا يبتلى المؤمنون بالنكبات والأزمات، ولا يعني أن لا تصاب الأمة بالمصائب والكوارث، بل كل هذا لا بد منه، ليميز الله الخبيث من الطيب، قال الله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214] .
وقد يبتلي الله تعالى الأمة بتأخير النصر أو تمكين الأعداء بسبب الذنوب والمعاصي، قال تعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] ، فإذا أصررت أنا وأنت على تقصيرنا وذنوبنا فهل نرجو أن يصلح الله الأحوال ويرفع عنا هذا الذل والصغار والانكسار؟! إن هذا لمن المحال، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11] . فإن لم يكن منا نزوعٌ عن الذنوب وإقلاع عن المعاصي ونصرٌ للدين وأهله، فإن الله ينصر دينه بغيرنا، قال تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:11] .
أيها الإخوة المؤمنون، اعلموا أن من أقل ما يجب علينا تجاه إخواننا أن نشعر بما يشعرون به من ألم وضيق، فإن النبي قال: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثلُ الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) )متفق عليه.
وإن من واجبنا تجاه إخواننا أن ننصرهم بما نستطيع من مال، ونعينهم به على جهاد أعدائهم وأعدائنا، ونكسو أولادهم، ونطعم جائعهم، ونخلفهم في أهليهم وذويهم، وهذا هو أقل ما يجب علينا تجاههم، فأنفقوا في سبيل الله فإنها من أعظم النفقات، قال الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ