1-سبب غزوة الخندق. 2- المعجزات الباهرة الدالة على نبوته أثناء حفر الخندق. 3- حال المنافقين في هذا الموقف الحالك. 4- ما أصاب المؤمنين من الشدة والكرب في تلك الغزوة. 5- أسباب النصر الحقيقية.
الخطبة الأولى
أيها المسلمون، إن في سيرة محمد وصحبه الكرام عبرة وأي عبرة، ذلك لمن تأملها ونظر فيها بعين البصيرة. لقد بعث الله رسوله بالحق، فصدع به ودعا إليه، ولكن الملأ من قريش لم يقبلوه منه، وعادوه واتهموه بتهم شتى، وآذوه في نفسه وعرضه وحاولوا قتله، لكنه لم يترك الدعوة، وخرج بدعوته إلى المدينة مهاجرًا، وحاربه كفار قريش فهزمهم مرة وهزموه مرة.
ثم جاء اليوم الذي أراد فيه أعداء الله ورسوله أن يجتثوا الإسلام والمسلمين ـ كما يزعمون ـ من جذورهم، وجاء اليهود إلى قريش فدعوهم إلى حرب رسول الله ، وقالوا لهم: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه مع محمد، أفديننا خير أم دينه؟ قال اليهود: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، فأنزل الله فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا إلى قوله تعالى: وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا [النساء:51-55] . فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لحرب رسول الله ، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم اتجه اليهود إلى غطفان فدعوهم إلى حرب رسول الله ، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه. ثم إن قريشًا تجهزت وسيرت تدعو العرب إلى نصرها، وألَّبوا أحابيشهم ومن تبعهم، وخرجوا في أربعة آلاف، وعقدوا اللواء في دار الندوة، وحمله عثمان بن حلجة، وقادوا ثلاثمائة فرس وكان معهم ألف وخمسمائة بعير، ولاقتهم بنو سليم بمر الظهران من سبعمائة، وخرجت بنو فزارة وكانوا ألفًا، وخرجت كذلك أشجع، وخرجت بنو مرة حتى اكتمل عددهم عشرة آلاف، وقادهم أبو سفيان.
أما ما كان من أمر رسول الله فإنه لما بلغه الخبر جمع الناس وشاورهم يسألهم ما يفعل، فكان أن أشار سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة، فأعجبتهم الفكرة، وبدأ رسول الله بحفر الخندق هو وأصحابه، ووقع في أثناء حفر الخندق معجزات باهرة من علامات نبوته ؛ كحديث الصخرة العظيمة التي اعترضتهم في حفر الخندق، فلم يعمل فيها المعاول وأعيت فيها الحيل, فأخذ رسول الله المعول وسمى الله وضربها فانهالت ترابًا كما في صحيح البخاري. وحديث الطعام القليل الذي كفى أهل الخندق وكانوا ألفًا، وكقوله لما انصرفت الأحزاب: (( لن تغزونا قريش بعدها، بل نغزوهم ولا يغزونا ) )، فكان كما قال عليه الصلاة والسلام، وكانت تلك الشدة خاتمة الشدائد.