أيها المؤمنون، لقد كانت غزوة الخندق أو غزوة الأحزاب كما سماها الله شدة يظن المرء معها أنها نهاية الدعوة والداعية. لقد كانت بالحسابات الدنيوية والمقاييس المادية النصر الأكيد للأحزاب الذين اجتمعوا من كل حدب وصوب على حرب الإسلام والمسلمين، وكانت الدولة الإسلامية لا زالت ناشئة فتية، بادئة في تأسيس ذاتها في المدينة النبوية. ولقد بلغ الحال بالمؤمنين أشده من الرعب والخوف، فهم قلة محاصرون من قبل جماعة كثيرة يبلغون أضعافهم عددًا وعدة. وإذا أردت وصفًا دقيقًا لحال المؤمنين في تلك الوقعة فلن تجد أبلغ من وصف الله تعالى لهم في كتابه، حيث يقول واصفًا الشدة التي لقيها المؤمنون: وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب:10، 11] . كيف لا يكون هذا الزلزال الشديد للمؤمنين وقد جاءهم الأحزاب من فوقهم، وكان اليهود قد غدروا بهم ونقضوا العهد من أسفل منهم، وأصبح المسلمون بين الأحزاب واليهود؟! واستمع إلى وصف الله لحالهم حيث يقول جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ [الأحزاب:9،10] . فهل تصورت هذه الشدة وذلك الوضع الحرج الذي عاناه المؤمنون؟ هل تصورت كيف يزيغ البصر في وضع مثل هذا حتى يصبح المرء لا يدري أين ينظر ولا إلى أي جهة يلتفت؟ هل تصورت ـ أيها المؤمن ـ شدة تحرك القلب من مكانه حتى يكاد أن يبلغ حلقك؟ إنها شدة وأي شدة، العدو كافر حاقد يريد الانتقام للضربة التي
لقيها في معركة بدر، ولا زالت قريش تعاني من آلام الهزيمة والإهانة العظيمة التي لقيتها في بدر. ومن أسفل المدينة العدو الآخر الخبيث المتربص الذي كان في يوم من الأيام صاحب عهد وميثاق، إنهم اليهود لا عهد لهم ولا ذمة، غدروا في أحلك المواقف وهم كذلك دائمًا وأبدًا، يستغلون المواقف ويصطادون في الماء العكر. والعدو الداخلي كذلك بدأ في التخذيل والهرب من أرض المعركة، المنافقون أخذوا يخذلون. واسمع إلى ما رواه الطبراني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله في يوم الخندق: (( اذهبوا بنا إلى سلمان ) )، وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال: (( بسم الله ) )، فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: (( الله أكبر، قصور الروم ورب الكعبة ) )، ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة فقال: (( الله أكبر، قصور فارس ورب الكعبة ) )، فقال عندها المنافقون: نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم.
هكذا ـ أيها المؤمنون ـ كان حال المنافقين في هذا الموقف الحالك، الذي يبين فيه رسول الله أن هذا الدين منصور وقائم، حتى أنه يخبرهم بأن الله سيفتح على المسلمين قصور فارس والروم، حتى تهدأ نفوس المؤمنين، ويعلموا أن هذا الجمع وهذه الأحزاب لن تتمكن من القضاء على المسلمين واجتثاث أصل دعوتهم والقضاء عليها كما جاؤوا يحلمون بذلك.