فهرس الكتاب

الصفحة 946 من 2003

عند هذا الموقف الإيماني التربوي من الرسول إذا بالمنافقين يشككون في هذه الأخبار التي يخبر بها الرسول ، ويقولون: نحن محاصرون ونحفر الخندق لحماية أنفسنا وما بيننا وبين الموت إلا قليل ومحمد يعدنا أننا سنفتح قصور الروم وفارس! يسخرون ويهزؤون.

ثم من تخذيلهم كذلك أنهم بدؤوا يستأذنون النبي ليعودوا إلى بيوتهم وأهليهم، ويقولون: إن بيوتنا عورة، وما هي بعورة، ولكنهم جبناء يريدون الهروب. حتى ذكرهم الله في كتابه وفضحهم فقال جل وعلا: وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا [الأحزاب:13] . يزعم المنافقون أن بيوتهم مكشوفة، ولذلك يريدون الرجوع إلى بيوتهم ليحموها، وهم كاذبون، إنما يريدون الهروب خوفًا من القتال. هكذا كان الوضع. لكن كيف كان حال المؤمنين؟ لقد كان حالهم هم ورسول الله كما وصف الله حال المؤمنين قبل معركة بدر، حيث أخذوا يسألون عن كفار قريش، فأخذ الناس يقولون لهم: إن قريش قد أعدت لكم وجمعت لكم، فكان رد رسول الله وأصحابه: حسبنا الله ونعم الوكيل. قال تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173] . فماذا كانت النتيجة والعاقبة؟! قال الله تعالى مبينًا ما جعله الله لهم جزاء على اعتمادهم على ربهم وتوكلهم عليه: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:174] .

ثم بين الله تعالى للمؤمنين بل وللناس كلهم أن هذه الجموع لا يخافها المؤمنون، لا يخافها محمد وأصحابه، بل يخافها الذي خلا قلبه من الإيمان والتوكل على الله، فيقول سبحانه: إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175] . نعم عباد الله، إن أولياء الله لا يخافون جموع الكفر ولو كثرت، إنما يخاف ويخشى هذه الجموع أولياء الشيطان، أما من كان الله وليه فقد قال الله: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] .

عباد الله، إن الخوف قد يقع وقد ينال كل النوعيات وكل المستويات الإيمانية، لكن الموقف الناتج عن الخوف يختلف من إنسان لآخر، وهنا موضع الأسوة والقدوة؛ فالمؤمنون في الخندق خافوا وبلغت القلوب الحناجر وزاغت الأبصار وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا، فالمؤمنون الصادقون الصديقون رغم ما وقع بهم من الخوف والفزع قال الله تعالى عنهم: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:22] ، وأما المنافقون الذين أصابهم الخوف واقتلع قلوبهم الرعب فقال الله تعالى عنهم: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا [الأحزاب:12] . لقد زاد الخوف المؤمنين إيمانًا وتسليمًا، وزاغت عقيدة المنافقين قبل أن يزيغ بصرهم وقالوا: إن محمد يعدنا بكنوز كسرى وقيصر ولا يأمن أحدنا أن يخرج إلى حاجته, أو لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط! فقارن بين الموقفين، وتأمل الحالين؛ لتعلم حال المؤمنين وتستمسك بغرزهم وتفوز فوزًا عظيمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت