فهرس الكتاب

الصفحة 947 من 2003

الخطبة الثانية

عباد الله، أما رسول الله فلقد كان هو القمة التي لا يرقى إليها أحد في الثقة بالله والثبات أمام العدو؛ فعندما بلغه أن بني قريظة قد نقضوا عهدهم الذي عاهدوه به واشتركوا مع الأحزاب في حرب المسلمين وخانوا الله ورسوله قال: (( الله كبر، أبشروا يا معشر المسلمين ) ). وفي قلب هذه المحنة وشدة هذا الهول يقول عليه الصلاة والسلام: (( إني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق وآخذ المفتاح، وليهلكن الله كسرى وقيصر، ولتنفقن أموالهم في سبيل الله ) )ذكر ذلك الواقدي في المغازي.

أيها الموحدون، وحيث إن المعركة بين رسول الله والأحزاب معركة عقيدة فلا بد من اللجوء إلى الله تعالى وحده أن يكشف الغم ويزيل الكرب، فعن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله يوم الأحزاب فقال: (( اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم ) ). وقد حرص رسول الله أن يؤكد لصحابته الكرام ثم للمسلمين جميعًا أن هذه الأحزاب العظيمة لم تهزم من المسلمين رغم تضحياتهم، ولم تهزم بعبقرية المواجهة، إنما هزمت بالله وحده، بالمسلم الذي أسلم في قلب المعركة واندفع يخذل العدو، وبالريح التي قلبت قدورهم واقتلعت خيامهم، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا حتى قال تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ [الأحزاب:9-25] . يقول مؤكدًا ذلك كما عند البخاري: (( لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده ) ). إنها التربية الإيمانية، التربية على البراءة من الحول والطول، التربية على نسبة الفضل إلى الله وعدم الاغترار بالأسباب المادية.

إننا ـ أيها المسلمون ـ لا ننصر بكثرة العدد ولا العدة، بل ننصر بإيماننا بالله ويقيننا بموعوده، ننصر بطاعتنا لله واجتناب ما يغضبه سبحانه. بل إنه عندما اغتر المسلمون بعددهم أذاقهم الله مرارة الهزيمة، قال تعالى حاكيا ذلك في سورة التوبة: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ [التوبة:25، 26] . إنه درس تربوي لأولئك الذين ظنوا أن كثرتهم ستكون سببا أكيدا للنصر، فأراهم الله ماذا يصنع التعلق بالأسباب الدنيوية مع نسيان العون الإلهي والمدد الرباني؛ لذا فإن علينا اليوم خاصة أن نحيي هذه العقيدة في نفوسنا، وأن نغرسها في نفوس المسلمين عامة؛ ليعلم كل مسلم أن نصر الله قريب وسهل، إن نحن توكلنا على الله مع بذل الأسباب، وتعلقت قلوبنا به سبحانه، وتبرأنا من كل شيء إلا الله. وعند ذلك فلن يهزمنا ـ والله ـ أقوى وأعتى الأعداء؛ لأن الله مولانا ولا مولى لهم.

ــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت