لا تنتصر الأمة ولا تزدهر إلا إذا وقع تغيير جذري في كيانها ونفوس أفرادها. ولا تنهزم أمة أو تزول إلا حين تتحول نفسياتها واهتماماتها فتنحدر من الأعلى إلى الأدنى فهذه سنة الله عز وحل في عباده ولن تجد لسنة الله تحويلًا.
ومن يتتبع سنة الله عز وجل في خلقه سيجد النتيجة واضحة ساطعة مطردة ولقد بينت لنا سورة الأنفال نموذجًا من هذه السنة لفريقين: فريق مؤمن منتصر وفريق كافر منهزم، فما هي أسباب النصر وما هي أسباب الهزيمة. فريق الكافرين المشركين الذين أذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا وفي الآخرة عند ربهم أشد وأنكى ، ذكر الله هؤلاء الكفرة وبين حالتهم وهم يودعون الحياة شر وداع، تتناولهم ملائكة الموت باللطمات والصفعات وهم يواجهون جزاءهم قال تعالى: ? وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ? [الأنفال:50-51] . تعالوا أيها الأخوة لنرى ماذا فعل هؤلاء في حياتهم وماذا قدموا ، لقد مكثوا أمدًا بعيدًا وطويلًا يكرهون الحق ويؤثرون الكبر والعناد ، يعيشون لأنفسهم، فما يرجون لله وقارًا، ولا يتخذون عنده مآبًا. كانوا في رخاء من العيش لا تشوبه أزمة، وفي أمان لا يعكره قلق فما شكروا من هذه النعم قليلًا ولا كثيرًا.
جاءهم رسول منهم أرجح الناس عقلًا وأشرفهم نسبًا وأصدقهم لهجة وأبرهم رحمًا لا ترقى إلى سيرته تهمة، لقبوه هم بالصادق الأمين ثم قاوموه وطاردوه في صلف وكبر غريب.والإنسان السوي إذا اشتبهت عليه الأمور طلب من الله أن يهديه إلى الصواب، أما هؤلاء فقد أبغضوا الحق، وكرهوا النزول على حكمه وقالوا مكابرين رب السماوات والأرضين: ?... اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ? [الأنفال:32] .
وقد لقي دعاءهم بعض الإجابة، فلما التقوا المسلمين في بدر حل بهم الخزي الرهيب، وتبخر السراب الذي كانوا يعيشون في خداعه فسقطوا بين قتيل وأسير.
لقد قاوم المشركون النور والهداية التي امتن الله بها على عباده، قاوموه بكل ما لديهم من جبروت، واستماتوا لكي يبقى ليل الوثنية مخيمًا على جزيرة العرب، وتبقى الخرافات تسرح وتمرح في المشارق والمغارب، الشيطان سول لهم وأملى لهم ، إذ ركبوا رؤوسهم حتى آخر لحظة ، لقد كانت الفرصة أمامهم متاحة ليُسلموا ويَسلموا ولكن الكفر والعناد والغطرسة والكبر الذي ملأ نفوسهم حال بينهم وبين السعادة، أنظروا إلى موقف أبي جهل ذاك الطاغية المعاند المكابر ، لقد كان بإمكانه أن يعود بقومه من أرض بدر، ما دامت القافلة التي خرجوا لإنقاذها قد نجت، غير أن مشاعر الكبرياء والغرور هاجت في دمه وعروقه، فقال: لا نعود حتى ننحر الجزور ، ونشرب الخمور، وتغني لنا القيان ويسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدًا، لقد كان حريصًا على إذلال الإسلام وأهله في مهجرهم الجديد. إن هذا القصد هو الذي ذبحه ، وقاد قومه إلى المأساة وإلى الخزي والبوار، هذه الأخلاقيات والمسالك