فهرس الكتاب
سادسًا: المعرفة النسوية الإسلامية هي بالضرورة معرفة تحررية ضد السلطة المطلقة لفرد أو جنس أو رأي أو نظام وحيد:
تنبع تحررية هذه المعرفة من جوهر المرجعية الإسلامية، ومن القراءة الإصلاحية التي تتبناها تلك المعرفة. فالإسلام قد عرف تنوعًا في التفسيرات والقراءات ما بين الرؤى الإصلاحية والمحافظة والرجعية التي لا يمكن قبول ادعاء إحداها باحتكار سلطة التحدث باسم الدين أو التعبير عن مرجعيته. والمعرفة النسوية هي إحدى القراءات التي تؤكد على الجوهر والطبيعة الإصلاحية للإسلام.
تحررية هذه المعرفة (وتحررية الإسلام) نابعة من جوهر دعوته في تركيز العبودية وحكرها على الخالق المطلق الكامل دون غيره من السلطات البشرية، وأن ما عداه من مصادر تدعي السلطان إنما هي مصادر ثانوية تنظيمية، وليست تأسيسية ترتهن طاعتها بقبول البشر وبمدى التزامها بتعاليم الخلق، وتقتضي المراجعة والرقابة الدائمة. هي معرفة ترفض النظام"البشري"الاحتكاري، والسلطة البشرية الواحدة المطلقة، والهيمنة الاجتماعية الواحدة والمطلقة؛ لأنها تطرح حقيقة مهمة هي تعدد وتنوع الجنس البشري والاعتراف بكرامة الآخر، وأهليته للتكليف، وحقه في المشاركة والتأثير من خلال الشورى لإدارة وإصلاح المجتمع.
الحرية وفق هذا المنظور هي التحرر من الخلق لا من الخالق؛ حيث يرى الإسلام أن العلاقة المباشرة بلا وسيط أو مهيمن بين الإنسان المسئول وخالق كامل القدرة والعلم والاطلاع على الكون وعلى نفس الإنسان، خالق واسع الرحمة مطلق العدل.. هي جوهر المنظور الإسلامي لحرية الإنسان الوجودية وأساس نضاله ضد مصادر الهيمنة والقوة البشرية.
أما الطرح الحداثي الغربي لمفهوم الحرية الذي ينزع من الكون وجود مرجعيته المطلقة الصفات ويستبدلها بالإنسان ذاته؛ فإنها وفق المنظور الإسلامي نزعة وهيمنة فوضوية تضر بالإنسان، وتفكك روابطه بالمجتمع، وتجعله فريسة للاغتراب، فضلا عن أنها لا تحرر الإنسان، بل تجعله خاضعًا لمنظومات وسلطات إنسانية قاصرة دون مخرج.
والمعرفة النسوية تسعى للتحرر من خلال طرح مصادر السلطة المعرفية والاجتماعية على المرجعية الإلهية والاحتكام إليها. من خلال استكمال جسور المعرفة بين النساء وإرادة خالقهنَّ فيهنَّ دون وسيط متحيز أو ذي هوى لتعرف النساء بأنفسهنَّ حقوقهنَّ وهويتهنَّ وأدوارهنَّ.
يكمل ذلك شروط مهمة؛ فالمعرفة النسوية -بل كل أنماط المعرفة الاجتهادية الدافعة نحو التطور- لا تتعيش إلا من خلال استقرار مبادئ التعددية الفكرية والاجتماعية والسياسية، سواء داخل المجتمع أم بين الرؤى النسوية ذاتها.
المعرفة النسوية لا تتنفس الحياة إلا في إطار من حرية التعبير التي تدور في فلك"الحدود الدينية الثابتة التي لا خلاف عليها"، وليس في ظل غابات القيود والأغلال التي نمت وتراكمت في ظل عصور القمع السياسي والاجتماعي تحت دعاوى سد الذرائع ودرء الفتن... إلخ.