وهكذا اشتق هؤلاء للكلمات معنى القوة فسموها مسيرة، تساق كلمات الحب لرجل يستحق كل الحب، وتهدى لرجل أهدى للأمة روحه وقلبه وعقله وحياته، وتقلد لرجل قلد جيد هذه الأمة المفاخر وحسن الفعال وطيب المقال ورجولة المواقف.
هذه مسيرة لم يجمعها إلا قرار القلوب، فهي حديث القلب دون سواه، ويا لحديث القلب من جمال وعظمة وثقل! ويكفي أن يكون هذا الحديث هو وحده ما يوزن به العبد يوم القيامة {وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} .
هناك حيث تجمعت شعرات الحكمة، والعين تنظر إلى الوجود كله نظرة الإرادة الإلهية بوجوب إسماع العالم صوت السماء، وتحريض الغافلين على لصوص النعمة الإلهية أن هبوا إلى مصارع العشاق، وبحب الجنود لهذه الهمسات يفقهون الخطاب؛ لأن هذا القائد من طينة الذاهبين من أسلاف هذه الأمة نحو الفعل الذي به يضبط العالم على وفق تاريخ الإيمان لا غير، فلم يعد لحركة التاريخ بسير الجنود ولا بقيام الدول ولا بسقوطها إلا ولاسم هذا الرجل وجود هو الأكبر؛ لأنه النور، ولأنه الإيمان، ولأنه -والله حسيبه- في كل ذلك يد القدر الإلهي الذي يقيم الحجة على الخلق، حيث تغيب صورته وتبقى أنفاسه حاضرة مستعلية.
من هذه العين العمياء التي لا ترى السر الإلهي في كل هذا! حيث يغيب فيبقى حاضرًا، وحيث يسكت فتبقى كلماته الأقوى والأعلى، وحيث يحارب وهو الواحد المطارد الشريد فيثمر غرسًا هي الحراب والجنود ورفقاء الشهادة على الخلق.
حقًا إنه العطاء الإلهي الذي لو نازعه البشر لغلبهم، ففي صورة من البياض يشرق بسمه، وحيث شيبة الحكمة تلقي بكل الحب والعلم والصبر، يقابلها هذا السواد من القبح والسعار والجهل والسفه، فهذه صورة لا تخاطب حتى من المخالف إلا بالأدب والاحترام، وهناك حيث صنعة الفجور والجهل لا تجد إلا كلمات وسمت وصنعة الفجور.
أنا لم أرد أن أكون مشاركًا في المسيرة لكن صخبها المطرب للنفس ساقني رغم أنفي؛ لأني أردت أن أجلس مراقبًا كيف يضبط الغائب مسيرة القلوب إليه حبًا ووفاءً واعترافًا؛ لأن للقلوب