بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
فإن من فتن البيان التي أقامها الله للخلق إمكانية التحريف لمعانيه، وهذا كتاب ربنا وهو الحق من كل وجه نظر إليه الناظر، إلا أن الله ربنا تعالى لم يعصمه من قدر التحريف والتأويل الباطل، كما ذكر هذا سبحانه في قوله تعالى في سورة آل عمران: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} ، وكما قال أهل اللغة أن عموم ألفاظها من نوع الظاهر، أي من النوع الذي يمكن أن يدخل عليه التأويل، وهذه فتنة ربانية في أمر كوني، وهو أعظم ما أعطيه الإنسان كما قال تعالى {عَلَّمَهُ الْبَيَان} وبه قال أهل العقل في ذكر حد الإنسان وتمييزه عن غيره أنه ناطق.
وكما أقام الله في خلقه حب الشهوة للفتنة فإنه أقام فتنة الشبهة فيه وهذا من هذه الفتن، أي فتن الشبهة، وقواعد الحق كما أصوله يمكن أن يحتج بها مبطل ومفتر، لكن هذا لا يخرجها عن كونها الحق في نفسها، ولما سئل الحبيب المصطفى: هل يأتي الحق بالباطل قال لا، الحق لا يأتي إلا بالحق، ولكن هذا الأمر القدري من سرقة الباطل للحق والاحتجاج به إنما يقع بأسباب متعددة، أهمها هو ترك قواعد الحق في إعماله، كتفسير لغة العرب بغير أصولها، فالحق يعمل عمله من خلال قواعده لا من خلال الباطل، وحين يفزع الباطل للاحتجاج بالحق لباطله لا يعني أن نترك هذا الحق لعمل الباطل له، وهذا هو الباب الذي يعنى به في هذا المقال.