مما غُزيَ به العقل المسلم من ثقافة الصوفية الوافدة مفهوم الولاية كطبقة بشرية، يصل إليها المرء من خلال السلوك والترقي، ولذلك سمى أبو نعيم الأصفهاني كتابه (طبقة الأولياء) ..
ومما ذكر في متون السلوك كمنازل السائرين مفهوم الترقي في منازل التعبّد، أي يدخل في منزلة فيتحصلها، ويدخل بعد ذلك في منزلة أخرى حتى يصل إلى هذه الطبقة العالية التي تسمى بطبقة الأولياء، وهذا مفهوم وافد غريب على المعاني القرآنية ..
ومما يحسم هذا الأمر ردًا مع وجود عشرات الأدلة على إبطاله هو النظر إلى أعظم طبقة رقي أخلاقي إنساني في تاريخ البشرية؛ وهم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهؤلاء هم الأولياء حقًا، وقد حققوا هذا الوصف على الوجه الصحيح، والجامع لمعنى الولاية مع الإنسانية، ولم يذكر عنهم أنهم مع تحققهم لوصف الولاية أي خروج عن الوصف بالبشر والإنسانية بكل ما في البشر من فطر إلهية، فيها الإخفاق حينا كما حصل مع أبيهم آدم -عليه السلام-، ثم لولايتهم يستغفرون ويتوبون ثم يواصلون طريق الحياة، إخفاقًا سلوكيًا حينًا، تعقبها توبة صادقة ليتحقق فيهم خلال هذا المسير الرضى الإلهي منه جل في علاه ..
وليتحقق فيهم مقصد الوجود البشري في الأرض كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولأتى بأقوام يُذنبون ويستغفرون فيغفر الله لهم) ، وهذا هو مفهوم التربية والمنزل الأكمل الذي يتحقق به كمال العبودية لله، لا كما يريده الصوفية ومن تنشق نشوقهم وهو الخروج عن الذنب بالكلية، والذي فيه معنى الخروج عن الإنسانية والبشرية ..
ليس هناك منازل يأتيها العابد ثم يتحقق بها على المعنى الصوفي ليذهب إلى منزلة أخرى يتربى عليها .. بل هو دين الله الذي يأمر بالشكر والتوبة والصبر، كل ذلك في حال واحد، وإنما يأتيها المسلم عند حضور موجبها، ويصيب منها بمقدار تحقق العلم فيه، وبمقدار إقباله على الله، وقد تأتي عليه في حين واردات الحق من المعاني القلبية ما يفقدها في موقف آخر، وهو هو كما قال