السؤال: هل فعلا الشافعي غير مذهبه عندما ذهب لمصر، لأن هذا لم يتقبله عقلي علميا أن يغير مذهبه، إذ المذهب اعتمد على أصول لا تتغير بتغير المكان أو الزمان؟
الجواب: لنبدأ بتغير مذهب الشافعي لما وصل مصر، فصار له مذهبان: القديم وهو الحجازي العراقي، والجديد وهو المصري، ولما وصل مصر استقر له المقام، وطابت نفسه وفرغ لبعض شأنه، واكتفى من جهة قضاء حوائجه، وصاغ «الرسالة» صياغة أخرى حتى صار هناك الرسالة الجديدة والرسالة القديمة، والمطبوع بتحقيق الشيخ شاكر فيه نقص تجده في نقولات ابن القيم في كتاب «إعلام الموقعين» ، والحديث عن المذهبين لا يدور أبدًا على مسألة أصول الشافعي، والرجل قد يتغير قوله، بل هذا شأن العلماء الذين لا يقلدون، وما من عالم إلا عرف عنه هذا، بل عرف عن بعض الصحابة وإمامهم الصديق في مسألة التحريق، مع أن الشافعي ذكر عنه أقوال مسائل أصولية دقيقة، تردد فيها الأصحاب بسبب اشتقاقهم لها من فقهه ومسائله كمسألة دليل الاقتران، فهو لم يتكلم عنها نصًا بشيء بل علمت من اجتهاداته الفقهية.
واختلفوا اختلافًا يسيرًا -أي: الأصحاب- في مسائل أصولية أخرى، ومعروف ردود أساطين المذهب عما ردوا به على من نسب للشافعي القول بالمصالح المرسلة، وتجد هذا في رد السبكي في كتابه الأصولي المشهور، إذًا لا نستطيع القول إن الشافعي غير أصوله الفقهية لما دخل مصر، بل قواعد أصوله هي هي في العراق والحجاز ومصر.
لكن لما جاء الشافعي مصر اطلع على بعض الفتاوى والأحاديث التي لم تكن على الوجه الذي يميل إليه، خاصة حديث الليث بن سعد، فصار يميل إلى حجج الليث في مسائل، وهذا من إنصافه، مع أنه لا يعلم عنه أنه غيّر قولًا من أقواله في مناظرة إمام أهل الرأي محمد بن الحسن الشيباني، ودعوى البعض أن الشافعي تلميذ محمد بن الحسن دعوى غلط، فالشافعي دخل العراق وقد استوى على سوقه، وأما أخذه كتب أهل الرأي منه والنظر فيها فإنما هو نظر محقق لا متعلم، وهذا يعلم من كثرة رده على محمد واجتهاداته في كتبه كالأم وجماع العلم ومختلف الحديث.