فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 495

من خلط حظوظَ نفسهِ مع القتال في سبيل الله، أتته القوارع تكشف هواه، فعدوّ البارحة يصبح أخًا {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً} فإن كان قتاله لله فرح بتوبته، وإن كان القتال لحظ نفسه لم يرض منه الهداية والأوبة حتى يثخن فيه، فيصبح الحال كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:

{فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقولَ كَلِمَتُه الَّتي قَالَ} .

والكثيرون من أهل الجهاد يصبح قتالهم لخصومهم في الدين من باب الانتصار للنفس، فلا يحبون هداية المقابل، ولا يرضونها منه إن وقعت، وهؤلاء يزيد شرهم إن صاروا قادة لأهل الجهاد، فإنهم يحملون الأتباع على القتل متابعة لنفوسهم الغضبية .. ولجهل التابع، يظن أنه يقاد ممن يتقي الله فيه، ولا يحمله إلا على القتال في سبيل الله، وهذا وقع في قتال الأمراء من أجل الإمارة والتنازع عليها، وحيث إنهم يعلمون ما لو حملوا الناس على هذا النوع من القتال لم يتابعهم الأكثرون من جنودهم، فذهبوا يلبسون هذا الهوى والغضب لباس الشرع والدين، فمنهم من جعل قتال المخالف من نوع قتال البغاة، ومنهم من جعله من نوع قتال المرتدين .. ! وكل ذلك تلعب بدين الناس وتعمية عن حقيقة مقاصدهم الباطنية.

وكما يحذر من متابعة المبتدع والفاسق والضال في هذا الباب، كذلك يحذر من السني حين يزيد في حكمه على المخالف فوق حد الشرع، كمن كفر الباغي، أو كفّر الخارجي، إذ يختار من الأقوال ما يحقق غضبه، لا أنه اختيار العلم والدليل!!

والمرء يفقد نصرة الله وتأييده كلما خالف الشرع، واتبع الهوى وحزازات النفوس، وكلما كان أقرب للحق وأبعد عن الهوى كلما كان لنصر الله وتأييده أقرب، والقتال في سبيل الله حكمه لله لا لغضب النفوس، وفرح المؤمن لما يأذن به الله لا لما يحقق هواه في هذا الباب، وهو يكف في ذلك حيث يكف الشرع، ويذهب حيث يذهب به دين الله تعالى ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت