فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 495

كان من عادة والدي -ولا زالت بفضل الله تعالى- أن يقوم مبكرًا في الليل، فيصلي ويراجع حفظه ما شاء، ويكون أول من يفتح المسجد، فإن صلى الناس الصبح خرج مسرعًا إلى مطعمه ليعد لهم مواد البيع فيه، وهذا قبل أن يستقيل منه ويتركه لإخواني، فإذا صليت الصبح معه جلست وإخواني في المسجد بعده للضحى ثم أذهب إليه في مطعمه، ويكون عادة وحده أو معه بعض الزبائن لأن الوقت يكون مبكرًا قليلًا ..

جئت يومًا إليه وقد جلس أحدهم على طاولة المطعم وأبي يعمل ويكلمه، فما أن دخلت حتى قال: تعال وَلَهْ -وهي كلمة تختصر كلمة ولد، يقولها الناس لأبنائهم ولغير ذلك على وجه التحقير من غير الوالد-، فأقبلت إليه مسلمًا، فأخذ بيدي وأجلسني إلى الرجل قائلا:

يا ولد، أنا آمرك وأطلب منك أن لا ترى هذا الرجل في حياتك أو أحدًا من ذريته إلا أكرمته وأحسنت إليه وتأدبت معه ..

فقلت: تحت أمرك، ثم بدأ الوالد يقص قصة والد هذا الرجل معه ..

كان والدي يأتي من بيت ساحور بجانب بيت لحم إلى عمان ليعمل من أجل إطعام أهله، ويمشي من بيت ساحور إلى مكان مطار ماركا مرات، وقد حدثت معه حادثة في أول يوم جاء للعمل، وعمله هو «دقاقة الحجر» أي جعل الحجارة جاهزة للبناء بطرق قديمة، وذلك بالمطرقة والإزميل، وذلك قبل دخول المناشير التي تعينهم فتيسر عليهم كثيرًا من عمل اليد .. وكانت عملية بطيئة، إذ ربما لا يستطيع المتقن أن يصنع أكثر من ثلاثة أحجار في اليوم! والوالد هو أول يوم له في هذا العمل الذي تركه بعد ذلك لا كأخيه الوحيد الذي بقي فيه ليوم وفاته ..

بدأ الوالد عمله وهو يظن أنه سينتهي من حجر واحد في أول يوم ليرحل إلى زوجه وبيته بخمسة قروش هي مقدار أجرته المطلوبة والمؤمل حصولها، وقد كان، وفي خاتمة النهار وهو فرح بقرب انتهاء الحجر كانت الفاجعة عنده التي تلائم سقوط فلسطين!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت