ما إن ضرب الضربة الأخيرة في الحجر حتى انفلق الحجر إلى قسمين!! فذهب كل جهده، ولا أدري أقال لي: طفرت الدمعة من عينه أم لا .. !
كان معه في العمل «الورشة» والد هذا الرجل، فلما رأى هذه الفاجعة، نادى والدي وأخذ بيده، وأعطاه حجرًا من حجريه الإثنين الذين صنعهما، وقال له: خذه وارجع لأهلك بما يطعمهم .. وكان ثمن هذا الحجر خمسة قروش فقط، لكنها الدنيا يومذاك.!
كان هذا الفعل هو ما جعل والدي يفعل ما فعل ويأمرني بما أمرني به ..
هذا الرجل لو رأيته لا أعرفه، ولن أعرفه، وبالتالي لن أعرف ذريته، لكنها الكلمات التي ما زلت أذكرها، وجعلتني أفهم معنى (حسن العهد من الإيمان) !
أذكر هذا الفعل من رجل أشبه بالعامي، حفظ القرآن على كبر، ولم أعهد عليه كذبة كذبها في حياتي كلها، وقد سلخ أربعة عشر عاما وهو يحفظ كتاب الله، وهو الآن أشبه في حالة خلوة في مسجد قديم ينام فيه ويعيش فيه، ويرفض أن يخرج إلا لحاجات قليلة ولأوقات قليلة، يعبد الله ويدع الناس من شره ..
قارنوا بينه وبين من يزعم الدعوة إلى الله وإحياء الأمة .. وقد رمى بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - (حسن العهد من الإيمان) وراء ظهره، من أجل أن يرضي الجهلة، أو من أجل خلاف يسير، وهو يعلم من نفسه الجهل والهوى، وهما سبب كل شر!!
اللهم اغفر لأبي، فما نسيت قصته طوال عمري، وأسأل الله وقد عجزت عن أن أحسن لابن هذا الرجل أو لذريته لأني لا أعرفهم ولا يعرف أبي عنهم اليوم شيئًا أن يجعلني بارًا بمن أحسن إلي حسنة واحدة، وأن أشكر كل من علم المسلمين حرفًا من الحق، وقدم لدين الله تعالى لو دقيقة واحدة من وقته مخلصًا بها لوجه الله ونصرة الدين ..
آمين ..
والحمد لله رب العالمين.