بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فمما يجب مراعاته في التحاق الشباب بالجهاد هو ما استقر في أذهانهم من صور طهرية لحالة الجهاد، فإن عامتهم إما أنهم قرؤوا الجهاد وسير المجاهدين في الكتب، وهي في مجملها لا تحكي عن الآلام ولا عن الفتن والمشاكل فيه، لكنها تتحدث عن نهاية الغزوات والمعارك، وهي نهاية سعيدة فيها النصر، حتى لو كان فيها الهزيمة فهي هزيمة كان عاقبتها النصر، والمعلوم أن الجهاد حركة حياة، فيه ما في الحياة من تقلبات وظروف، وإما أنهم سمعوا عنه من حديث الشيوخ والخطباء وهؤلاء لا يعرجون إلا على الصور الرائعة من البلاء والشجاعة والشهادة الجميلة، وحين يلتحق هؤلاء بالركب يرون الحياة كما هي، وكما هي في الماضي والحاضر، ولذلك كانت تربية القرآن أعظم تربية في هذا الباب، لأنها كشفت حالة ونفسية أعظم البشر مع ذروة سنام الدين، وهي حين تسوق كشف النفسية تسوقها في معرض المدح لكنه المدح السنني الذي يتوافق مع الفطرة البشرية.
في سورة التوبة لما جاء الذكر الحكيم لحالة الأنصار والمهاجرين وموقفهم من تلقي الأمر بالخروج إلى تبوك، قال تعالى: {لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} .
وفي أُحد قال تعالى: {إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} .
وفيها كذلك قال تعالى: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ} ، مع ما جاء من مدح الشهداء بقوله تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} ، وما جاء من مدح الباقين بعد استجابتهم لأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ ٌعَظِيم} .
وما ورد في بدر بقوله تعالى: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} .