[24 سبتمبر 2016 م - 22 ذو الحجة 1437 هـ]
موضوع التأويل يشترك فيه أمران: علميّ متين محدَّد، ونسبيّ متغير؛ فالعلمي له قواعده، والنِّسبي مردُّه إلى حال الحاكم مع المحكوم عليه. وقد حاول الغزالي مع عقله الكبير أن يضبط قانونًا للتأويل فعجز؛ والسبب أن أي قانون في نفسه يجده لا يصلح للحكم على الأعيان كما في نفسه. فإذا ضيَّق من جانب أخرج قومًا لا يريد إخراجهم، وإذا وسَّع أدخل من لا يريد إدخالهم -أقصد من التكفير-، هذا مع أن الغزالي أشعري لكن يغلب عليه الحيرة في قضايا كما هو معروف.
ابن تيمية عاب محاولة الغزالي، والشيخ المعلمي في كتابه التنكيل هذا تحدَّث عن الجانب القدري في موضوع الهداية وحرمانها، وأنها لا يمكن أن تمنع لمن طلبها، لكن هذا حديث عن موضوع أصل الإسلام وليس في مسائل التوحيد واعتقادها بعد ذلك، يجب الإقرار بالجانب النسبي في موضوع التأويل، الفعل خارج الشرع، الفاعل هل يحترم الشرع أم لا، لما خالفه.
هناك معالم علمية من لغة وإجماع وقانون اجتهاد، هذه يمكن ضبطها، لكن حال الشخص وهل هو مريد للحق أم لا في هذا الاجتهاد الذي خالف الشرع، هذا أمر يختلف فيه الناس، وهي تبع للمحكوم عليه وكذلك للحاكم المجتهد. فمن هنا تأتي صعوبة عذر التأويل، وهذا شيء مقرَّر عند القدماء، فالقاضي المالكي يده والسيف مع التكفير بخلاف الشافعي، وكذلك قصص العلماء في إعذار عالم وعدم إعذار آخر في نفس الفعل.
فالتأويل مردُّه عند من يقول بوجوده لمنع التكفير يكون أن الرجل معظِّم للشرع ومحب لإصابة الحق لا يريد إلا مراد الله ثم يخطئ، ولكن كيف يتم التحقق من هذا؟ هنا تأتي النسبية في هذا الباب، هذا في ظاهر الأمر، لكن حتى القواعد العلمية فيها التغير كذلك، فهناك بيئة لا يتصور فيها هذا النوع من الجهل، وهناك بيئة يتصور وجود هذا الأمر فيها.