بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فعندما أفرغ من كلامي عن رجلٍ ما، فإني لا أبقي في نفسي أي أثارة من كلمة أخفيها، بل أقذف كل ما فيها حول هذا الشخص، سواء كانت من انفعالات نفس أو حوارات فكر أو تعقب سيرة، وعجزي يقوم فيما يقوم على عدم قدرتي أن أكتب ثانية ما كتبته ومضى، وكأن الكتابة عندي هي سلخ المعنى عني ليكون في الكلمات والورق، وحين أرجع إلى ما أكتب فإنما أرجع إليه غريبًا لا مالكًا له، والذين يطلبون مني أن أكتب شيئًا سبق لي أن تكلمت فيه ولو تعريضًا، إنما يرمونني في بحار من الألم والرهق ما الله به عليم، ومن ذنوبي في الكتابة -وهي كثيرة- أني لا أفرق بين ما هو مكتوب على وجه التعريض والتلميح وبين ما هو مشروح مبسوط، فكلاهما عندي بيان لا يحتاج لإضافة من الكاتب، والعودة لكتابة ما أشار به كاتب ما في كتاب أو مقال فإنما هو إعادة انتاج المنتج عندي، وهو ما لا أحبه ولا أرتاح إليه.
أقول هذا الكلام بمناسبة قيام عصبة حسن العهد -كما نحسبهم- في الدفاع عن الحكيم الظواهري، تحت عنوان: (مسيرة وفاء) وهذا من فتق الكلمات الرائعة على الروائح الزكية، فللكلمات مسيرتها، وليست الشخوص وهي تسير مجتمعة تطالب وتشكر وتؤيد أو تندد بأولى من مسيرة الكلمات لهذا الشأن، ومن تفكر في كلمة الكتابة واجتماعها في الأصل والجذر مع الكتائب علم شرف هذه اللغة التي ترفع درجة الكلمة إلى قوة معاني الوجود الظاهر القوي، ثم من تفكر اجتماع جذر كلمة الكتابة مع كلمة القراءة في المعنى علم أن هذه لغة سماوية فيها الوضع الإلهي العظيم؛ ذلك لأن الكتابة والقراءة دالان على الجمع، وفي الجمع قوة الاتفاق، واتفاق القوة.