الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد سألني بعض الأخوة من طلبة العلم عن قراءة «مدارج السالكين» لابن القيم؛ فلما ذكرت لهم فوائد قراءته نبهوني إلى وجود شيخ عالي القدر في التصنيف والتعليم ينهى عن قراءته، فعجبت من هذا، إذ لم أسمع بهذا من قبل، فدفعني هذا للبحث والسماع المباشر، وقد فعلت؛ فرأيت كلاما مجملا، وفيه صحة ما نقل عنه من النهي عن قراءة الكتاب المذكور، مع تنبيهه أن النهي عن القراءة لا تعني التنقيص في حق الإمام وهذا جيد والحمد لله، ولكن لي كلام يخالف هذا الشيخ في هذا الأمر، وأذكر ما أظنه من خطئه، رجاء تراجعه إن وجد في كلامي قوة تدفع ما في نفسه وما قال، وحتى يعلم طالب العلم وجود الخلاف في هذه المسألة، فلا يقلد بل ينظر ويبحث ثم يرى ما الأصوب في هذا الأمر، والكل يعلم أن المقصد هو العلم والحفاظ عليه، فهذا من الدين والحمد لله رب العالمين.
فأقول وبالله التوفيق:
مع أني قلت قديما إن الشيخ ابن القيم -رحمه الله تعالى- تعامل تعاملا مختلفا مع كتابين هما من قماشة واحدة، وطريق واحد، أولهما كتاب «ابن العريف الأندلسي» في كتابه «محاسن المجالس» ، وثانيهما كتاب «أبي إسماعيل الهروي» في «منازل السائرين» ، ومن المعلوم من ابن القيم نفسه أن أبا العباس هذا قد أخذ كتابه المذكور من كتاب ابي اسماعيل الهروي، وأظن أن التفريق بين كتاب علل المقامات لأبي اسماعيل ومنازل السائرين وجعلهما كتابين غير صحيح، بل هما كتاب واحد، ولذلك سمي كتابَ أبي العباس هذا باسم «علل المقامات» في كلام ابن القيم نفسه في «طريق الهجرتين» ، والقصد أن التعامل مع الكتابين كان مختلفا، مع العلم أن مدارج السالكين كتب بعد طريق الهجرتين، فقد ذكره فيه مرارًا، تصل إلى أربعة مواطن، ولكن مقصد النظر والشرح كان مختلفًا جدا في الرسالتين؛ رسالة الهروي الحنبلي ورسالة ابن العريف الأندلسي، فكلامه على أبي العباس في طريق الهجرتين لبيان خطأ المسلك الصوفي في بيان العلم والإرادة،