فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 495

واما سبب إنشاء مدارج السالكين ابتداءً فهو رد الصوفية عن الاحتجاج بأبي اسماعيل الهروي في قولهم بوحدة الوجود، وذلك لنسبة الهروي لمذهب السلف عامة ومذهب أحمد خاصة في الأسماء والصفات والكلام، وجلده في التعصب لمذهب الإمام، ثم جهاده الخصوم جهادًا أوصله إلى غير ما يحمد العالم عليه، وهو صاحب الشعر:

أنا حنبلي ما حييت ... الخ

والمرء حين التجرد والإنصاف يرى أن الهروي وقع في مزالق خطيرة في كلامه عن مقامات التعبد والتصور، ولذلك كان ابن تيمية -رحمه الله- يصرخ بانحراف مذهب الرجلين: الهروي وابن العريف، وينسبهما إلى تسمية العيب الصوفي بل الضلال الصوفي الذي نطق به أبو يزيد وأمثاله تحققًا بالتوحيد، ويمكن لطالب العلم أن يراجع هذا في مواطن من كتب الشيخ، وأما ابن القيم فقد سلك طريقًا آخر مع الهروي وهو تجريد الصوفية من الاحتجاج به، وهو طريق سلكه شيخه ابن تيمية مع بعض أهل الطرق والمذاهب؛ فرسالة الشيخ الى أتباع عدي بن مسافر وهم اليزيدية كانت على هذا النهج، إذ ذكر عديًا بالخير وأتى على مناقبه، محاولا رد الاتباع الى الكتاب والسنة من خلال شيخهم الذي ينتسبون إليه، بل أنه كثيرا ما يحتج على الصوفية بكلام كبرائهم كالجنيد، وتقيد مذهبهم بالكتاب والسنة والعلة هو دعوة الأتباع، لا تزكية تامة للمتبوعين كما يظن البعض ممن يحتج بكلام الشيخ ابن تيمية على صحة طريقة الصوفية كأساس ومنهج.

ولاختلاف المقصد بين رسالة محاسن المجالس لابن العريف ورسالة الهروي منازل السائرين اختلفت طرق الكلام عليهما، فهذا يؤل كلامه ما استطاع التأويل تحمله، وهذا ينبه على جوانب الانحراف فيه، مع ان الشيخ ابن القيم عجز مرات أن يحمل كلام الهروي على وجه من وجوه الحق التي تظن فيه.

ولكن هل حقا على طالب العلم أن يهجر مدارج السالكين كما أراد الشيخ الجليل، ومن أجل خطأ التقسيمات فيه كما ذكر في كلمته!؟

من نظر في هذا الكتاب وجد فيه فوائد جمة غير المقصد الأول الذي أراده ابن القيم كما تقدم ذكره، بل إن هذا المقصد الرئيسي يكاد يغيب أمام الفوائد الأخرى، فالكتاب مليء بالفوائد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت