فقط استرعى الانتباه قول الأخ عن قول الشعراء ومدى صدقهم، وعندي أمر وقول في هذا الباب أحب أن أقوله ... وهو التفريق بين «عبيد الشعر» كما يسمونهم وبين غيرهم من أصحاب القصيدة أو الأبيات القليلة دون أن يتخذه سبيلًا وعملًا تدخله في مُسَمّى عبيد الشعر، وهو أن الناس ونقدهم للشعر - أي قديمًا - كان من أبحاثهم مدى الصدق في القول، هذا مع تأمّلهم للمعاني والحكمة، فإنهم كانوا لا يعدون الشاعر شاعرًا حتى ينطق بالحكمة، وكلمة الحكمة عندهم أوسع من معناها عندنا اليوم، فالحكمة عندهم علمية ولفظية وعملية، وعند «عبيد الشعر» فإن كشف مخبوء النفوس ليس عسيرًا، ولَمّا تأمّل من تأمّل في شعر المتنبي رأى تكرارًا عجيبًا لكلمة (الحسد) ، حتى أنه سمّى ابنه مُحسد.
فالبيان يفضح الباطن لأنه بيانٌ عن النفس وما يدور فيها، ومهما تخفى في مقطوعة فستفضحه أخرى، والعبرة بشرف النفس وعلوها، لا مجرد اللفظ وتحديد مراده فيه، فنحن نجزم أن عمرو بن كلثوم شريف النفس، وشِعره يدلُّ على هذا، وكذلك عنترة، ومن تأمّل شعر زهير عَلِمَ تأملات الرجل وحكمته البيانية بل وصدقه كما قال الفاروق عنه وكُلٌّ من المعجبين به ويقفر شعره وأقواله. فالقول أن شعر الشعراء لا يبين عن نفوسهم غلط أراد به اصحاب هذه الكلمة صرف أمّتنا عن أشرف أدبها وهو الشعر، ومن خبثهم في سلوك هذا الطريق التدقيق في ظاهر اللفظ دون المعنى العام الكاشف عن خسّة النفس أو شرفها، عن حكمة الرجل أو بلادته، وذلك كتب عم كلمة عمرو:
مَلأْنَا البَرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّا ... وَمَاءَ البَحْرِ نَمْلَؤُهُ سَفِينَا
والعبرة بكلمة عمرو هو الإرادة لا الحديث عن القدرة، ولذلك لن تبقى كلمة مدح من شاعر يقولها عن نفسه أو عن غيره وهي غير حكيمة عند سامعيها، بل سترمى في مزبلة التاريخ، ولكن على الناظر أن يتأمّل شعر الرجل كله لا الكلمة والكلمتين أو البيت أو البيتين، فهذه طريقة البحث عن نفس المتكلم في كلامه، ونهاية القول إن قول أعداء الشعر العربي أنه لا يكشف عن حقيقة الشاعر ولا بيئته هو من قبيل إسقاط هذا الإرث الذي هو باب العلم في القرآن.