فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 495

«قد فتح الله علي في هذا الحصن في هذه المرة من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء، كان كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن» ..

هذه كلمة لابن تيمية، ذكرها ابن عبد الهادي في العقود الدرية من غير كلمة الحصن، وذكرها بهذا اللفظ ابن رجب في طبقات الحنابلة ..

وهذه لمن تأملها يجد أنه قيد الفتح الإلهي له بعلوم جمة من القرآن في موطن معين، فقال «في هذا الحصن في هذه المرة» وهو دليل أن هذه المعاني لم تكن لديه، ولم يبصرها من قبل، والشيخ يعلم عنه حرصه على القرآن والتفسير، وقد مكث في تفسير سورة نوح أربع سنين يفسرها بعد صلاة الجمعة على كرسي له تحت المنبر، ومع ذلك لم يكن يحس بما أعطاه الله في محبسه في القلعة في الفترة التي مات فيها!

ومن تأمل هذا المعنى علم أن العلم ليس فقط ما يأخذه المرء من الكتب بل أعظمه وأجله، بل هو ما يحس المرء بأهميته في حياته وقلبه وسلوكه هو ما يعطاه من خلال المجاهدة والصبر والتفكر بعيدًا عن حياة اللهو والغفلة وكذلك الخصومات، ولذلك قال ابن تيمية هذه الكلمة «وندمت على تضييعي أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن» فهذه كلمة لا يجوز أن توضع في باب غمط النفس فقط، بل يجب الاعتناء بها، فإن من فتح عليه معاني القرآن علم قيمة العلوم الأخرى مقابلها، فيجد أنها أشبه بالتراب معه، واعظم ما فيها انارة القلب، وتغيير المسار، وشعور القرب من الله بالقرب من كتابه ..

هذا الذي قاله ابن تيمية كذلك يدل أن الرجل تفرغ في آخر عمره للقرآن، ولم يشغله عنه شيء، ورأى فيه غذاءه ونوره وقوام عقله وقلبه وحياته، وبهذا التفرغ مصل الفتح والقرب، فلا يقال ما الأول، بل هما معًا، التفرغ للقرآن يفتح باب العلوم، وفتح باب العلوم من القرآن يسرق القلب للانشغال به دون سواه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت