تأملت اليوم في سبب الحرص النبوي على المصلي أن يقول عقب الصلاة (اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام) ، فرأيت أن السبب هو: أن المصلي يغفر له ذنبه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ غَمَرَ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ) .
ولقوله - صلى الله عليه وسلم: (تحترقون تحترقون فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يُكتب عليكم حتى تستيقظوا) ..
ولقوله - صلى الله عليه وسلم: (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ) .
فما يليق بمن يغفر ذنبه ويخرج من احتراقه إلا أن يعامل بالسلم، والله هو السلام لمن يستحق السلام، ولذلك شرع له أن يدعو الله بالسلام فيقول: (اللهم أنت السلام ومنك السلام وتباركت يا ذا الجلال والإكرام) .
فإن قيل: فأين الدعاء؟ إذ هذا ذِكرٌ وليس دعاءً.
قلت: هذا مفتتح الحياة بعد الصلاة، فكأنه يستأنف الحياة مع اسم الله السلام ليكون هو المهيمن على حياته بعد ذلك، ولذلك جاء بصيغة الدعاء بقوله: اللهم أنت ....
وأما قول المصلي: تباركت يا ذا الجلال والإكرام ... فهذا من أعظم المدح إذ هو مدح لله في ذاته وصفاته بقوله: يا ذا الجلال، ومدح لأفعاله: الإكرام، وهو كما قال الشاعر: -
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء