الصديق أبو بكر -رضي الله عنه- لما جاءه أهل اليمن فقرأ عليهم القرآن فبكوا، فقال هكذا كنا على زمن رسول الله ثم قست قلوبنا .. وقد قال من فسر هذا اللفظ من الصديق أن هذا من باب غمط النفس وتواضعه، وهو يخبر عن نفسه وحاله، وهي في ذاتها دليل أن المرء لا يمكن مع ولايته أن يعيش حالة واحدة لا تتغير عليه، بل هو يقرأ القرآن فيبكي حينًا، ثم يبحث عن قلبه في موطن آخر فلا يجده، فيستغفر ويتوب، لإعادة هذا الحال، وهكذا هو بين الطاعة والاستغفار حتى يأتيه اليقين .. !
انتشار المفهوم الصوفي لمعنى التربية هو الذي جعل البعض يرسم منهجه في التغيير على هذا التصور الباطل، فهو يريد قبل قذف الأمة في أتون الفعل أن يحصل لها مرتبة اليقين ومرتبة الولاية كما يتصورها، فإن وقع من عامل سلوك ما يستوجب الاستغفار والتوبة منه جعله حجة لمنهجه أن الناس استعجلوا الفعل قبل الوصول للولاية المتخيلة ..
وهل الجهاد هو من صنع ظاهرة الفرح بقتل المسلمين؟
فيمر دليلًا أن الناس لم يتربوا بعد ..
والناس يعلمون أن العامل لا بد له من أدران تصيبه خلال سلوكه، وهو لا يجعل هذه الأدران مانعا من العودة لنفس السلوك في اليوم التالي، بل هو يعود من عمله غاسلًا هذه الأدران، ثم يواصل مسيرته ..
نحن لا نحتاج أن نوقف العمل والمطالب الشرعية من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو جهاد في سبيل الله تعالى حتى تتحقق عندنا طبقات الأولياء، بل نحن نريد من الأمة أن تسلك سبيل عودتها لدينها الذي في الحديث: سلّط الله عليهم ذلًّا لا يرفعه إلا أن تعودوا لدينكم، أي الجهاد، وأن تمارس حياتها، كما في قوله تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} .
فإن أصابها أدران الطريق غسلتها بالتوبة والاستغفار، مع مواصلة العمل بلا توقف، لأن توقف العمل هو جريمة شرعية بحد ذاته، لا تتحقق التوبة منه إلا بالعودة إليه.!