فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 495

فمن المعلوم أن الاعتناء بالمصالح الشرعية والقدرية واجب على الفقيه والمفتي، ومن شر ما يقع هو ترك النظر الى المآلات كما يقول علماؤنا، بل إن صواب الاختيار من عدمه يكون بالنظر إلى مآلاته، فإن أوقع خيرًا حكم الشرع بخيره كان له حكم مبتدئه، وإلا فالعكس كذلك صحيح، فالقول بالمصلحة الشرعية المعتبرة واجب لا مثنوية فيه.

لكن لما انقلبت في أعين البعض المصالح الملغاة في الشرع إلغاءً كليا أو جزئيا إلى مصالح معتبرة، تقدم على ما هو أعلى منها في الشرع = صارت كلمة المصلحة مثيرة للرد كلما سمعت، وكأنها تناقض الشريعة والنصوص، لأن هذا هو ما يعمله البعض فيها، إذ كلما أراد فقهاء التسيب والتحلل ومدعي التيسير أن يردوا نصًا صحيحًا زعموا أن المصلحة توجب هذا الرد، فصار في الأذهان أن المصلحة في جانب والنصوص في جانب آخر، وبالتالي صار المتعبدون بين متسيب يعمل بالمصلحة دون النظر إلى ما هو ملغي أو مؤخر وبين عامل للنصوص دون اعتبار المصالح البتة، وهي قسمة ثنائية باطلة في حكم الشرع والفقه وكلام السابقين.

ولكن هذا الاعتبار والواقع لا يجيز لفقيه يلائم بين ما هو كلي وما هو جزئي، أو لفقيه يوازن بين العمل بالنص وبين اعتبار المآل أن يلغي المصلحة لاحتجاج المبطل بها.

هذه صورة منتشرة نراها، وهناك صورة أخرى غيرها هي أدق منها كذلك، وهو تعليل الحديث بالواقع والقدر، فالناظر لطرق كبار أئمة الحديث رحمهم الله تعالى يرى أنهم أجرأ الناس على تعليل الحديث ورده إن خالف فطرة قدرية أو كونا مقطوعا به، حتى لو بدا للناظر إلى ظاهر الحديث أنه صحيح لا علة ظاهرة فيه، واستقصاء هذا يطول، ولكنهم كذلك يعلمون أنه ما من حديث يرد لباطل في معناه إلا وفيه علة في سنده، يعملون تنقيبا وتفتيشا لها حتى يعلم من أين دخل الخطأ على الراوي وكيف جاء الوهم.

فإبطال الحديث بمخالفته بداهة العقل وفطرة الخلق وجريان السنن ليس طريق أهل البدع كما يظن البعض بل هو طريق كبار أئمة الحديث رحمهم الله تعالى، لكن لما صار رد الأحاديث الصحيحة لجهالات العقل لا لبداهته، وللأهواء لا لفطر الخلق في الوجود، ولعوارض الظن لا لجريان السنن، ولقياسات الغيب على الشهادة، توهم البعض أن من دين الله تعالى اتهام كل رد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت